الصفحة 79 من 112

وفي الرابع والعشرين من شعبان سنة 702 هـ خرجت العساكر الشَّامية فيمَّمت على الجسورة من ناحية الكسوة ومعهم القضاة، وكثرت التَّخمينات في سبب خروجهم، فمِن النَّاس من يظنّ أنَّ خروجهم لملاقاة العدوّ والتَّأهُّب للمعركة القادمة، ومن النَّاس مَن يحسب خروجَهم هربًا ونجاء من عدوان التَّتر المرتقب.

وخرج شيخ الإسلام ابن تيمية وأصحابه يشقّون طريقهم بين الناس الهلعين بصعوبة بالغة، لقد أراد الشيخ ورفاقه أن يخوضوا المعركة بالسِّلاح ويشهدوا القتال بأنفسهم، وظنَّ بعض الناس أنَّهم خرجوا هاربين فصاروا يوجِّهون له اللَّوم الشديد والنقد اللاذع ويقولون: أنت منعْتنا من الهرب وها أنت هارب من البلد، ولكنَّه يعرف طريقه، وأنَّه ليس ممَّن يهرب ولكنَّه يجاهد ببسالة، فمضى ساكتًا عنهم لا يرى لفضول القول والجدال مجالًا، كان الجو متوتِّرًا والمخاوف تترى.

وإذا بالفرج يقع، وتأتي الأنباء عن وصول السلطان ومن معه من العساكر.

وجرت معركة فاصِلة رهيبة عصر يوم السبت ثاني رمضان 702هـ حتَّى السَّاعة الثانية من يوم الأحد.

كانت وقعة عنيفة بلا ريب امتدَّت حوالي ستَّ عشرة ساعة، لقد اجتمعتِ العساكر الإسلاميَّة في مرج الصفَّر، وحصلت الوقعة بشقحب والكسوة، وقتل من التتر عدد هائل وعمل السيف في رقابهم وتخاطفتهم أسلحة المسلمين ليلًا ونهارًا، ولَم ينجُ منهم إلاَّ القليل الَّذين فرّوا إلى الجبال والتلال، استبشَر النَّاس بهذا الفتح العظيم الذي كانوا لا يصدِّقون الأنباء الأولى التي وردتْ عنْه؛ لما وقع في نفوسهم من الخوف لما شهِدوه من ضخامة جيش عدوِّهم وشدَّة فتكِه.

ودخل الشيخ تقي الدين ابن تيمية البلد ومعه أصحابه في الجهاد، ففرِح النَّاس به ودعوا له، وهنؤوه بما يسَّر الله على يديْه من الخير، وذلك أنَّه ندب العسكر الشَّامي أن يسير إلى السلطان يستحثُّه على السير إلى دمشق فسار إليه فحثَّه على المجيء إلى دمشق بعد أن كاد يرجع إلى مصر، فجاء هو وإيَّاه جميعًا فسأله السُّلطان أن يقف معه في معركة القتال، فقال له الشيخ: السنَّة: أن يقِف الرجُل تحت راية قومه، ونحن من جيش الشَّام لا نقف إلاَّ معهم، وحرَّض السلطان على القتال وبشَّره بالنصر، وجعل يحلف بالله الَّذي لا إله إلا هو: إنَّكم منصورون عليهم هذه المرَّة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت