فهرس الكتاب
ابن تيمية المجاهد
قال الشَّيخ سراج الدّين أبو حفص عمر بن علي بن موسى البزَّار في كتابه:"الأعلام العلية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية" [1] (ص43 - 45) .
كان - رضي الله عنه - من أشجع الناس وأقواهم قلبًا، ما رأيت أحدًا أثبت منه ولا أعظم عناء في جهاد العدو منه.
كان يُجاهد في سبيل الله بقلبه ولسانه ويده، ولا يخاف في الله لومة لائم.
وأخبر غير واحد: أن الشيخ - رضي الله عنه - كان إذا حضر مع عسكر المسلمين في جهاد يكون بينهم (أوقيتهم وقطب) ثباتهم، إن رأى من بعضهم هلعًا أو رقَّة أو جبنًا شجَّعه وثبَّته وبشره، ووعده بالنَّصر والظفر والغنيمة، وبيَّن له فضل الجهاد والمجاهدين وإنزال الله عليْهِم السَّكينة، وكان إذا ركب الخَيل يتحنَّك ويَجول في العدوّ كأعظم الشُّجعان، ويقوم كأثبت الفرسان، ويكبر تكبيرًا أنْكى في العدوِّ من كثيرٍ من الفتك بهم، ويخوضُ فيهم خوض رجل لا يخاف الموت.
وحدَّثوا أنَّهم رأَوا منه في فتح عكَّا أمورًا من الشَّجاعة يعجز الواصف عن وصفِها.
قالوا: لقد كان السَّبب في تملُّك المسلمين إيَّاها بفعله ومشورته وحسن نظره.
ولمَّا ظهر السُّلطان غازان على دمشق المحروسة جاءَه ملك الكرخ وبذل له أموالًا جزيلة على أن يمكنه من الفتك بالمسلمين من أهل دمشق، ووصل الخبر إلى الشيخ، فقام من فوره وشجَّع المسلمين ورغَّبهم في الشَّهادة ووعدهم على قيامهم النَّصر والظفر والأمن وزوال الخوف، فانتدب منهم رجال من وجوهِهِم وكبرائهم وذوي أحلامهم فخرجوا معه إلى حضرة السلطان غازان، فلمَّا رآهم السلطان قال: مَن هؤلاء؟ فقيل: هُم رؤساء دمشق، فأذِن لهم فحضروا بين يديه، فتقدَّم الشَّيخ - رضي الله عنه - أوَّلًا، فلمَّا رآه أوْقَع الله له في قلبِه هيبة عظيمة - رضي الله عنه - حتَّى أدناه وأجلسه، وأخذ الشَّيخ في الكلام معه أوَّلًا في عكس رأيه عن تسليط المخذول ملك الكرْخ على المسلمين وضمن له أموالًا،
(1) طبع هذا الكُتيب بمطابع القصيم بالرياض، سنة 1390هـ.