فهرس الكتاب
وأخبره بِحُرمة دماء المسلمين، وذكره ووعظه، فأجابَهم إلى ذلك طائعًا، وحقنت بسببه دماء المسلمين وحميت ذراريّهم وصين حريمهم.
وحدَّثني مَن أثِق به عن الشَّيخ كمال الدين بن المنجَّا - قدَّس الله روحه - قال: كنت حاضرًا مع الشيخ حيئنذٍ فجعل - يعني الشيخ - يحدِّث السلطان بقول الله ورسوله في العدْل، ويرفع صوته على السُّلْطان حتَّى جثا على ركبتيْه وجعل يقرب منه في أثْناء حديثه، حتَّى لقد قرب أن تُلاصق ركبتُه ركبة السلطان، والسُّلطان مع ذلك مقْبِل عليه بكلّيَّته، مصغٍ لما يقول شاخص إليه لا يُعرض عنه، وإنَّ السلطان من شدَّة ما أوقع الله له في قلبِه من المحبَّة والهيْبة سأل مَن يخصُّه من أهل حضرته: مَن هذا الشَّيخ؟ وقال: ما معناه: إنِّي لم أرَ مثله ولا أثبت قلبًا منه، ولا أوْقع من حديثِه في قلْبي، ولا رأيتُني أعظم انقيادًا منِّي لأحد منْه، فأُخْبِر بحاله وما هو عليه من العلم والعمل وسأله: إن أحببتَ أن أعمر لك بلد آبائك حرَّان وتنتقِل إليْه ويكون برسمِك! فقال: لا والله، لا أرغب عن مهاجَر إبراهيم وأستبدِل به غيره، فخرج من بين يديْه مكرمًا معزَّزًا، قد صنع الله له بما طوى عليه نيَّته الصَّالحة مِن بذْل نفسِه في طلب حقْن دماء المسلمين، فبلَّغه ما أراده، وكان ذلك أيضًا سببًا لتخْليص غالب أسارى المسلمين من أيديهم وردِّهم على أهلِهم وحفظ حريمهم، وهذا من أعظم الشَّجاعة والثَّبات وقوَّة الجأش.
وأخبرني مَن لا أتَّهم: أنَّ الشَّيخ - رضي الله عنه - حين وُشِي به إلى السلْطان المعظَّم الملك الناصر لدين الله، وأحضره بين يديه، قال مِن جملة كلامه: إنَّني أُخبرت أنَّك قد أطاعك الناس وأنَّ في نفسك أخْذ المُلْك، فلم يكترِثْ به بل قال له بنفس مطمئنَّة وقلب ثابت، وصوت عال سمعَه كثيرٌ ممَّن حضر: أنا أفعل ذلك؟ والله إنَّ ملْكَك وملك المغول لا يُساوي عندي فلسين، فتبسَّم السلْطان لذلك وأجابَه في مقابلته بما أوْقع الله في قلبه من الهيْبة العظيمة: إنَّك والله لصادق، وإن الَّذي وشى به إليَّ كاذب.
واستقرَّ له في قلبِه من المحبَّة الدينيَّة ما لوْلاه لكان قد فتك به منذ دهر طويل، من كثرة ما يلقى إليْه في حقِّه من الأقاويل الزُّور والبهتان.