فهرس الكتاب
ابن تيمية وواقعة عساف النصراني
كان هذا الرجل من أهل السويداء قد شهِد عليه جماعةٌ أنَّه سبَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وقد استجار عساف هذا بابن أحمد بن حجي أمير آل علي، فاجتمع الشَّيخ تقي الدّين ابن تيمية والشَّيخ زين الدين الفارقي شيخ دار الحديث، فدخلا على الأمير عزّ الدّين أيبك الحموي نائب السَّلطنة فكلَّماه في أمره، فأجابَهما إلى ذلك وأرسل ليحْضِره فخرجا من عنده ومعهما خلْق كثيرٌ من الناس، فرأى النَّاس عسافًا حين قدم ومعه رجل من العرب فسبّوه وشتموه، فقال ذلك الرجُل البدوي: هو خير منكم - يعْني النصراني - فرجمهُما النَّاس بالحجارة وأصابت عساف ووقعت خبطة قويَّة، فأرسل النائب فطلب الشَّيخين ابن تيمية والفارقي فضربهما بين يديْه ورسم عليهما في العذراوية، وقدم النصراني فأسلم وعُقِد مجلس بسببِه وأثبت بينه وبين الشهود عداوة، فحقن دمه ثمَّ استدعى الشَّيخين فأرضاهما وأطلقهما، ولحق النَّصراني بعد ذلك ببلاد الحجاز فاتَّفق قتله قريبًا من مدينة رسولِ الله، قتَله ابن أخيه هناك، وصنَّف الشيخ تقي الدين ابن تيمية في هذه الواقعة كتابه:"الصَّارم المسلول على سابّ الرَّسول" [1] ، وكان الشيخ يُبيِّن للأمراء الأحكام الزَّكوية، ويحذِّر من الزِّيادة عمَّا شرعه الله ورسولُه، فلا يُؤخذ إلاَّ ما وجبتْ فيه الزَّكاة وتمَّ نصابه وحال حوله، وكثير من العمَّال يخرصون جميع الثّمار وإن لم تبلغ النصاب، وأخذ الزَّكاة من شيء لم يوجبْه الله ورسوله فيه ظلم بيِّن وتعدٍّ ظاهر، حمانا الله وإيَّاكم منه.
وكذلك ما يتبع الزكاة من النائبة قد أغنى الله عنْها وجعل فيما أحلَّ غنى عمَّا منع وحرم، ومن الواجب على وليّ الأمر ترك ذلك لله، وفي بيت المال ما يكفي الضيف ونحوه إن حصل تسديد من الله ومن بتوفيق من عنده، وكذلك ما يؤخذ من المسلمين في ثغر القطيف من الأعشار لا يليق ولا يجوز التعشير في أموال المسلمين.
ويلزم ولي الأمر - أيَّده الله - أن يلزم التجَّار الزَّكاة الشرعية قهرًا ويدع ما لا يحل، ومن الواجب تمييز الأموال الدَّاخلة على وليّ الأمر فإنَّ الله ميَّزها في كتابه وقسَّمها، فلا يحلّ تعدّي ذلك وخلطها بحيثُ لا يمكن تَمييز الزَّكاة من الفيْء والغنائم، فإنَّ لهذا مصرفًا ولهذا مصرفًا، لكلّ مَن
(1) البداية والنهاية ج13 ص335 - 336.