الصفحة 86 من 112

وتفصيلًا، فإنَّه الواسطة بين العباد وبين ربِّهم في إبلاغ ما يحبُّه ويرضاه، ويريده من عبادِه ويوجب السَّعادة والنَّعيم، وبعض السلف يكفّر من تركه، وأمر الرعية بذلك من الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر الذي لا يسع ترْكه، وكذلك القيام على الناس ومنعهم من التعدّي في الدماء والأموال وقطع السبل، وهذا من الفساد في الأرض والمحاربة لله ورسوله، فإن لم ينتهوا إلاَّ بغزْوهم لزم الإمام أن يبعث السَّرايا لحرْبِهم.

ولمَّا تعرَّض الفجاءة السلمي للنَّاس يأخذ ويقتل من مسلم وكافر بعث أبو بكر الصدّيق جيشًا فظفِروا به فأحرقه بالنار.

ويذكر عن حسَّان أنَّه قال:

وَمَا الدِّينُ إِلاَّ أَنْ تُقَامَ شَرِيعَةٌ = وَتَامَنَ سُبْلٌ بَيْنَنَا وَشِعَابُ

وكذلك ما حدث من الدفتار للبادية؛ إذ أخذوا المسلمين وقتلوا لما فيه من ترْك حقوق المسلمين في الدِّماء والأموال مع القُدْرة على استيفائه، والقيام بالعدل الذي أمر الله به ورسوله، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58] ، فتأمَّل هذه الموعظة وما ختمها الله به من هذين الوصفين العظيمين، وقد قال تعالى {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] .

فالواجب على مَن نصح نفسه أن لا يَحكُم إِلاَّ بحكْم الله ورسوله، فإن لم يفعل وقَع في خطرٍ عظيم من تقديم الآراء والأهواء على شرْعة الله ورسوله.

قال العلامة ابن القيّم - رحِمه الله تعالى:

وَاللَّهِ مَا خَوْفِي الذُّنُوبَ فَإِنَّهَا = لَعَلَى طَرِيقِ العَفْوِ وَالغُفْرَانِ

لَكِنَّمَا أَخْشَى انْسِلاخَ القَلْبِ مِنْ = تَحْكِيمِ هَذَا الوَحْيِ وَالقُرْآنِ

وَرِضًا بِآرَاءِ الرِّجَالِ وَحِرْصِهَا = لا كَانَ ذَاكَ بِمِنَّةِ الرَّحْمَنِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت