فهرس الكتاب
النذور، وبُنِيَت الهياكل للنُّجوم وخاطبها بالحوائج كلُّ مشرك ظلوم، وسرى هذا في الناس حتَّى فعله من يظنُّ أنَّه من الأخْيار والأكْياس، وكثيرٌ منهم يظنُّ أنَّ هذا هو الإسلام، وأنَّه ما جاء به سيِّد الأنام - عليْه أفضل الصَّلاة والسَّلام - وهل وقعَ ذلك وصار على تطاوُل الدهور والأعصار إلاَّ بسبب إهْمال الرُّؤساء والملوك الَّذين استكبروا في الأرْض، ولم يرفعوا رأسًا بما جاءت به الأنبياء، وقنعوا بمجرَّد الاسم والانتِساب من غير حقيقة؛ قال الله تعالى: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ} [غافر: 47] الآية.
فأهمّ المهمَّات وآكد الأُصول والواجبات النَّظر في هذا، وتفقُّد الرعيَّة الخاصَّة والعامَّة البادية والحاضرة؛ لأنَّك مسؤول عنهم والسؤال أوَّلًا يقع عن الدين قبل الدنيا.
وفي الحديث: (( كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّته ) )، وفي الصَّحيح: (( كانتْ بنو إسرائيل تسوسُهم الأنبياء، كلَّما هلك نبيٌّ خلفه نبي وإنَّه لا نبيَّ بعدي، وسيكون بعدي خلفاء فيكثرون ) )قالوا: فما تأمرنا به؟ قال: (( بايِعوا الأوَّل فالأوَّل، أعطوهم حقَّهم فإنَّ الله - عزَّ وجلَّ - سائلُهم عمَّا استرعاهم عليْه ) ).
والفلاح في الدنيا والآخرة في إبْلاغ ما يضرهم ويسخط ربَّهم، ويوجب الشقاوة والعذاب الأليم في الدُّنيا والآخرة؛ فكلّ طريقٍ غير طريقِه مسدود على سالكيه، وكلّ عملٍ ليْس عليه رسمه وتقريره فهو ردٌّ على عامليه.
وقد عرفتم - أَرشدكم الله تعالى - أنَّ الله بعث محمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - على حين فترة من الرُّسل، وأهل الأرْض قد عمَّتهم الجهالة، وغلبتْهم الضَّلالة عربهم وعجمهم إلاَّ من شاء الله من بقايا أهل الكتاب، فأوَّل دعوتِه - صلى الله عليه وسلم - ورسالته وقاعدة نبوّته ردُّ الخلق إلى الله، وأمرهم بعبادته وحدَه لا شريك له، وخلْع ما سواه من الأنداد والآلهة والبراءة منهم، وهذا هو الَّذي دلَّت عليه كلمة الإخلاص، وهو أوَّل دعوة الرُّسُل، وأوَّل الواجبات والفرائض، ومكث - عليه الصَّلاة والسَّلام - مدَّة من الدهر نحو العشر سنين بعد النبوَّة يدعو إلى هذا ويأمر به، وينهى عن الشرك وينذر عنه، وفرض الفرائض وبقية الأركان بعد ذلك منجَّمًا؛ لأنَّ هذا هو أهم الأمور وأوْجبها على الخلْق، كما في الحديث: (( راس الأمر الإسلام وعمودُه الصَّلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ) ).