فهرس الكتاب
فالعاكف: المقيم ، والطائف: معروف ، والركع السجود: هم المصلون . فالواجب تطهير هذا البيت للمقيمين فيه ، والمتعبدين فيه ، وإذا وجب على الناس أن يحترموه ، وان يدفعوا عنه الأذى ، فالواجب عليهم أيضًا أن يطهروا هذا البيت ، وأن يحذروا معاصي الله فيه ، وأن يتقوا غضبه وعقابه ، وأن لا يؤذي بعضهم بعضًا ، ولا أن يقاتل بعضهم بعضًا، فهو بلد آمن محترم يجب على أهله أن يعظموه وأن يحترموه ، وأن يحذروا معصية الله فيه ، وأن لا يظلم بعضهم بعضًا ، ولا يؤذي بعضهم بعضًا ، لأن السيئة فيه عظيمة كما أن الحسنات فيه مضاعفة .
والسيئات عند أهل العلم والتحقيق تضاعف لا من جهة العدد ، فإن من جاء بالسيئة فإنما يجزى مثلها ، ولكنها مضاعفة بالكيفية .
فالسيئة في الحرم ليست مثل السيئة في خارجه ، بل هي أعظم وأكبر ، حتى قال الله في ذلك:"ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم" (1) ومن يرد فيه أي يهم فيه ويقصد . فضمَّن يُرِدْ معنى يَهُمُّ ولهذا عدَّاه بالباء ، بقوله:"ومن يرد فيه بإلحاد بظلم"، أي من يهم فيه بإلحاد بظلم .
فإذا كان من همَّ بالإلحاد أو أراده استحق العذاب الأليم ، فكيف بمن فعله ؟
إذا كان من يهمُّ ومن يريد متوعدًا بالعذاب الأليم ، فالذي يفعل الجريمة ، ويتعدى الحدود فيه من باب أولى في استحقاقه العقاب ، والعذاب الأليم .
ويقول جل وعلا في صدر هذه الآية:"إن الذين كفروا ويصدون عن المسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد"وهذا يبين لنا أنه محرم ، وأنه لا فرق فيه بين العاكف وهو المقيم ، والباد وهو الوارد والوافد إليه من حاج ومعتمر وغيرهما .
وهذا هو أول الآية في قوله تعالى:"ومن يرد فيه بإلحاد بظلم"وبين جل وعلا عظمة هذا المكان ، وأن الله جعله آمنًا وجعله حرمًا ، ليس لأحد من المقيمين فيه ولا من الواردين إليه ، أن يتعدى حدود الله فيه ، أو أن يؤذي الناس فيه .
(1) سورة الحج ، الآية 25