فهرس الكتاب
ومن ذلك يعلم أن التعدي على الناس وإيذائهم في هذا الحرم الآمن بقول أو فعل من أشد المحرمات المتوعد عليها بالعذاب الأليم ، بل من الكبائر .
ولما فتح الله على نبيه مكة عليه الصلاة والسلام ، خطب الناس وقال:"إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض ، ولم يحرمه الناس ، وإن الله جل وعلا لم يحله لي إلا ساعة من نهار ، وقد عادت حرمته اليوم كحرمته بالأمس ، فليبلغ منكم الشاهد الغائب" (1) وقال:"إنه لا يحل لأحد أن يسفك فيه دمًا ، أو يعضد فيه شجرة ، ولا ينفر صيده ، ولا يختلى خلاه ، ولا تلتقط لقطته إلا لمنشد" (2) أي معرف .
فإذا كان الصيد والشجر محترمين فيه ، فكيف بحال المسلم ؟ فمن باب أولى أن يكون تحريم ذلك أشد وأعظم فليس لأحد أن يحدث في الحرم شيئًا مما يؤذي الناس لا بقول ولا بفعل ، بل يجب أن يحترمه ، وأن يكون منقادًا لشرع الله فيه ، وأن يعظم حرمات الله أشد من أن يعظمها في غيره ، وأن يكون سلمًا لإخوانه يحب لهم الخير ، ويكره لهم الشر ، ويعينهم على الخير وعلى ترك الشر ولا يؤذي أحدًا لا بكلام ولا بفعل ، ثم قال جل وعلا في سورة آل عمران:"فيه آيات بينات مقام إبراهيم" (3) .
فالله جعل فيه آيات بينات ، وهي التي فسرها العلماء بمقام إبراهيم ، أي مقامات إبراهيم ، لأن كلمة مقام لفظ مفرد مضاف إلى معرفة فيعم جميع مقامات إبراهيم ، فالحرم كله مقام إبراهيم تعبَّد فيه ، ومن ذلك المشاعر عرفات والمزدلفة ومنى ، كل ذلك من مقام إبراهيم ، ومن ذلك الحجر الذي كان يقوم عليه وقت البناء ، والذي يصلي إليه الناس الآن كلهم من مقامات إبراهيم .
(1) رواه البخاري في (العلم) باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب برقم 104 ، ومسلم في (الحج) باب تحريم مكة وصيدها برقم 1354
(2) رواه البخاري في (الجزية ) باب إثم الغادر للبر والفاجر برقم 3189 ، ومسلم في (الحج) باب تحريم مكة وصيدها برقم 1353
(3) سورة آل عمران ، الآية 97