وأحيانًا يرجع اضطراب تحقيق الكتاب إلى عدم التوفيق في الترجيح بين الروايات واختيار الرواية الأنسب للسياق، ومثال ذلك:
تحدث سيبويه عن مجيء (إنْ) بمعنى (ما) ، ثم قال:"وتصرف الكلام إلى الابتداء كما صرفتها (ما) إلى الابتداء في قولك:إنّما، وذلك قولك:ما إنْ زيدٌ ذاهب" (1) .
هذا النص مثبت في طبعة بولاق، كما أثبته الأستاذ عبد السلام هارون في متن الكتاب أيضًا، ثم أشار في الحاشية (2) إلى أنه أثبت ما في طبعة (ديرنبورغ) مرتئيًا أنه الوجه، وذكر أنه وردت رواية أخرى في نسختين رباحيتين نصها:"وتصرف ما إلى الابتداء". ويبدو أن الوجه ما في النسختين الرباحيتين لا ما في طبعة (دير نبورغ) ؛ لأن سيبويه أراد أن يقول: إن كلًا من (ما) و (إنْ) تكف الأخرى عن العمل إذا جاءت بعدها، وبذا ينصرف الكلام إلى الابتداء. وهذا هو ما أشار إليه ابن خروف في شرحه لهذا النص، فقال:
"قوله: وتصرف (ما) إلى الابتداء كما صرفتها (ما) إلى الابتداء، يريد أنّ (إنْ) إذا دخلت على (ما) النافية منعتها من العمل، و (ما) إذا دخلت على (إنْ) النافية منعتها من العمل أيضًا" (3) .
وثمة أمر آخر في نص سيبويه السابق ينبغي التنبيه عليه، وهو أن العبارة:"في قولك إنّما"مقحمة على نص الكتاب؛ لأن الضمير في (صرفتها) عائد على (إنْ) المخففة وليس على (إنّ) المشددة، وهذا ما نبه عليه ابن خروف -لله رده- فقال:"قول المفسر: إنه إنما يعني في قوله: إنّما زيد أخوك - فاسد؛ لأن الضمير في (صرفَتْها) راجع إلى (إنْ) المذكورة" (4) .
المثال الثالث:
وأحيانًا يرجع اضطراب التحقيق إلى عدم استخدام طريقة انطباق ترجمة الباب على ما تحته من الأمثلة، ومن ترد أمثلة تحت باب لا تتفق وترجمته.
(1) . سيبويه: الكتاب،3/153 (هارون) ، 1/475 (بولاق) .
(2) . انظر: سيبويه، الكتاب 3/153هـ 1 (هارون) .
(3) . ابن خروف: تنقيح الألباب، ص35.
(4) . ابن خروف: تنقيح الألباب، ص35.