والصلاح لكل زمان ومكان ويمثل بين دفتيه حكم الله خالصا وقادرا على تنظيم حياة الإنسان في كل مجالاتها، فكذلك سيرة الرسول عليه الصلاة، هي السيرة المحفوظة المتاكملة الوحيدة والقادرة على مد الإنسان بكل ما يحتاج إليه في دقائق حياته كلها. وبعد هذا كله فما الذي قدمته النصرانية للإنسان عبر التاريخ، أي حل قدمته للإنسان في مشاكله العقائدية والأخلاقية والتشريعية، وما هي القيم التي قدمتها وما هي المثل التي صدرتها، وما هي الأمجاد التي حققتها وما هي الحضارة التي نشأت في ظلها ورعايتها؟
إن الذي يحفظه التاريخ للمسيحية من كل ذلك باختصار شديد هو ما يلي جماعة من رجال الدين في كل عصر تستطيل على الناس بسلطانها الديني وتتطاول على كراسي الحكم بغير حق وتدعي لنفسها أنها ظل الله في الأرض فتتحكم في رقاب البشر باسم الله والله من كل ذلك الظلم بريء، وتخدر الناس بالرضا بالواقع لأنه حكم الله. وتعتبر كل خروج على آرائها خروجا على الله، وتقمع جميع الحركات التحررية والعلمية، وتخنق الثورات والنهضات بهذه الحجة وتجعل حصيلة كل ذلك وسيلة لشهوات حفنة قليلة من رجال الدين برئاسة البابا، وقد كان لموقف رجال الدين من النهضة العلمية في أوربا ضرره البالغ على الديانات كلها في العالم وعلى الإسلام بوجه أخص، وذلك حينما وقفت العقول المتحجرة سدا منيعا أمام التيار العلمي المتدفق وحرمت على الناس استخدام حقهم الطبيعي في التفكير والإبداع وبررت ذلك التحجير والتحريم باسم الدين.
كفر العلماء بذلك الدين المتحجر الذي يقاوم وجودهم ويهددهم في حياتهم وفي مبتكراتهم العلمية ويكرههم على البقاء في ظلمة الجهل والتخلف، وكنتيجة طبيعية لهذا الموقف نشأت الحركة العلمية في ظل الإلحاد ثم غزت العالم كله وهي تحمل هذا الطابع وتنفر بالتالي من كل دين ومن كل ما يمت الى الله بصلة وقد نسيت أن تميز في حركة إندفاعها وشرودها عن الكنيسة وعن دينها ورجالها أن تميز بين دين ودين وحكمت على الديانات كلها بالإعدام واعتبرتها منافية للعقل والعلم وأخرجتها بذلك من ميدان الحقائق العلمية المسلمة إلى عالم الخرافات والأحلام والشعوذة ففقدت الديانات بذلك قدسيتها وتأثيرها على الناس وأصبح الدين كالمجرم الذي أدين ووضع في قفص الإتهام وعلى أثر انزواء الدين من المجتمعات طغت فيها مردة الابالسة من الملاحدة وخرج الأمر كله بذلك من يد أهل الخير والصلاح.
هذا ما جنته الكنيسة على الإنسانية في الماضي والحاضر وهذا ما قدمته لها، وأما قيم الإسلام ومثله العليا ورسالته التي أنقذ بها العالم والحضارة الإنسانية الشاملة التي شيد صورها والحركات العلمية التي أنبتها نباتا حسنا في ظل رعايته عبر التاريخ شيء يغنينا اشتهاره عن الإطالة فيه، ولا تزال آثاره ماثلة على مرأى من الأوروبيين في بلادهم وفي التراث العلمي العريق الذي خلفه المسلمون في مكتبتهم الزاخرة العامرة. والسؤال الذي يهجم على الإنسان الآن بعد ما تقدم هو ما يلي: إذا كانت للمسلمين هذه الحصانة في العقيدة والشريعة والكتاب والرسول وهذه الأمجاد التاريخية فكيف يتسرب إلى صفوفهم المبشرون وهم من وصفت في العقيدة والشريعة والرسول والكتاب والتاريخ؟ والجواب عن هذا السؤال هو أن المبشرين لم ياتوا إلى المسلمين بشيء أفضل مما عندهم فيما ذكر ولكنهم وجدوا في المسلمين ثغرتين كبيرتين تسربوا منهما إلى بيوت المسلمين وقلوبهم. هاتان الثغرتين هما تخلف المسلمين الإقتصادي وتخلفهم العلمي، وأما التخلف الإقتصادي فأمر ينتظم العالم الإسلامي كله والفقر المدقع عامل مشترك بين ابناء الأمة الإسلامية التي تتربع على منابع الثروات العالمية، والتخلف الإقتصادي في الحقيقة نتيجة طبيعية للتخلف العلمي الذي يعاني منه المسلمون في كل ميدان من ميادين الحياة.
إن المسلمين بحاجة إلى الكثير من فقه المادة إن صح هذا التعبير ليعرفوا كيف يستغلون هذه الثروات الطبيعية الهائلة التي يجثمون فوقها والتي يسرقها أعداؤهم على مرأى منهم مسمع. والإنعاش الإقتصادي ليس في الحقيقة إلا جزءا من إنعاش عام يشمل جميع جوانب الحياة في الأمة، فمالم يعرف المسلمون كيف يحسنون الإستفادة من الكنوز التي يملكون مفاتيحها سيبقون في حاجة دائمة لعدوهم الذي يجود عليهم بمالهم مقابل الخروج عن دينهم والتنكر لتراثهم. وقد قيل قديما: إذا ذهب الفقر إلى بلد قال له الكفر خذني معك، وهذا يبين السبب الذي يبيع به بعض ضعاف الإيمان من المسلمين دينهم برغيف يبقي لهم حياتهم، والسبب هو جهلهم بدينهم وبأساليب الحياة الحديثة وبمبتكرات الحركة العلمية التي وضع أسلافهم أصولها باعتراف أعدائهم.
وأما جهلهم بدينهم فقد سمع للمبشرين بأن يدسوا على الإسلام ما شاؤوا من مفتريات وأباطيل وبأن يشوهوا جمال الإسلام في نفوس أهله ويزعزعوا مكانه ذلك الدين في قلوب ابنائه مما يضعف روح المقاومة عندهم ويوجد لديهم قابلية الإنهزام والتبعية والذوبان مما يمهد الطريق أمام المبشرين لسلخهم عن دينهم.
وأما عدم الأخذ بأسباب الحياة العلمية الحديثة فقد جعل المسلمين يعجبون بما لدى أعدائهم من تقدم علمي هائل يتصاغر أمامه الإنسان الجاهل، ويفتن بما يرى ويكبر في نفسه وفي عينه من تحققت