فهرس الكتاب
فإن كانت القصيدة كلُّها أو العمل الأدبي كله قائمًا على ازدواجية المعاني والتباسها ومليئًا بهذه البنى الخطابية والبيانية الغامضة صار النص عاصفة لا تهدأ من المعاني المتداخلة والدلالات المتنافسة وأصبحَ من باب الوهم أن نغلقَ باب الاجتهاد في التأويل الأدبي. إنّ أحسن ما يستطيعُ القارئُ أن يختمُ به قراءته هو أن يقول بتواضعٍ شديدٍ أمام النص ما اعتاد قوله عظماء النقاد العربُ: الله أعلم! .. فإذا أخذنا بمذهب التأويل التفصيلي هذا يمكننا تعريفُ النص بأنه ما ينساب دائمًا من بين أصابع القارئ! ...
3 ـ 2 ـ دور القارئ:
وبدون أنْ نتبنّى كلَّ النتائج المتطرِّفة التي تذهب إليها مدرسةُ التأويل النابذ التفكيكية فإنه من الظاهر أن دور القارئ النشيط في بناء النصِّ، كما رأينا في دراسةٍ سابقةٍ (8) ، يستبعد تلقائيًا فكرة تأويل نهائي للنص الأدبي. وذلك لأن أنا القارئ التي تنخرطُ في عملية بناء النص هي كذلك نصٌّ دائمًا. وموضوع القراءة ليس إلاّ النتيجة المعقّدة لمؤثرات عديدة. وبالتالي فإن الأثر الذي يحدثُ عند كل قراءة هو أثرٌ جديدٌ يحدث للمرة الأولى.
إننا لا نقرأ أبدًا نفس النص مرتين.
ويظهر المعنى ليس كشيءٍ قائمٍ ثابتٍ في النص وإنما كنتيجةٍ فريدة للقاء فريد هو لقاء الكاتب والقارئ. ولقد رأى كثيرٌ من المثقفين العرب مثلًا حين عصفت بهم في العقد السادس موجة الأدب الوجودي ومواضيعه في رواية ألبير كامو (1913 - 1960) الطاعون (1947) ، حين ترجمتها إلى العربية الدكتورة كوثر عبد السلام البحيري رواية رمزية لعبث حياة الإنسان عامة والأوروبي على وجه الخصوص أي أنهم قرؤوها قراءة فلسفية .. وأما النقاد الفرنسيون الذين قرؤوها حين ظهرت في باريس بعيد جلاء الجيوش الألمانية التي احتلت أكثر من نصف الأراضي الفرنسية فقد رأوا فيها حكاية رمزية تدين إدانة شرسة النظام النازي بفكره المخيف وبسياسته الهمجية أي أنهم قرؤوها قراءة سياسية مباشرة!