فهرس الكتاب
فنحن نحط الرحال خلال القراءة في بلاد خياليّة فنقيم فيها حينًا من الوقت ونصادف فيها أشخاصًا آخرين ونخالطهم ونندمج معهم ونفرح لفرحهم ونحزن لحزنهم. أي أننا نرسل أثناء القراءة"ذواتنا الوهميّة"لاكتشاف هذه الأراضي البكر وكأنّنا قد طلبنا إليها أن تُعدّ لنا تقريرًا عما تراه وتسمعه خلال رحلتها. وذواتنا الوهميّة تلك هي التي تفرح أو تحزن وليس نحن. وهي التي تُشفق على نفيسة أو تسخر من سذاجة عيسى بن هشام وتتألّم على مصير وليد مسعود. وأمّا نحن فإننا نكتفي بان نعيرها جسدنا وعواطفنا كما يعير الكاهن أو المشعوذ الوسيط جسده للأرواح العلويّة أو السفليّة كي تنطق من خلاله. وكما أن وجود هذه الأرواح العلويّة أو السفليّة في الجسد المعار يجعله خليقًا بالإخبار بما حدث أو بما سيحدث أو قادرًا على فهم ما جرى أو سيجري فإن ذواتنا الوهميّة التي تغوص في الرواية تشعر بمشاعر وتعيش أحاسيس أكبر وأكثف من تلك التي تشعر بها وتعيشها ذواتنا الحقيقيّة التي جفّفتها الأحداث وأقست قلوبها التجارب. ولطالما أعرب الجاحظ والتوحيديّ عن ثقتهما بدور الأدب في تهذيب الأخلاق. أو لم يكن ذلك لإيمانهما بأن ذواتنا الوهميّة أو الروائيّة، وبعد عودتها من رحلتها في ملكوت الفنون ورحاب الأدب، ستنصهر من جديد في ذواتنا الحقيقيّة فتغذّيها وتصقلها وتشذبّها؟
القراءة إذن ارتحالٌ وسياحةٌ في كونٍ آخر يُغني التجربة الفردّية ويوسع من آفاقها. والقارئ الذي يغادر أرض الواقع في بداية الرواية ليلج الكون الروائيّ يرجع إليها في النهاية وقد غذتّه الرواية.
لقد كان الشاعر العربيّ القديم يقول: اغترب تتجدّد. ويسعنا اليوم أن نقول كذلك: اقرأ تتجدّد.
1 -2 - الدوار