فهرس الكتاب
يكمن الجواب في الواقعة النفسيّة التالية. إن كلّ ما أفكّر فيه يكوّن جزءًا من عالمي الباطنيّ وعنصرًا تأسيسيًّا من مجموع العناصر التي تكوّن حقيقتي الأولى وتوازني الضروري، ولكني حين أباشر القراءة فإني أحتضن أفكارًا وآراء تنتمي انتماءً جليًّا إلى عالمٍ داخليٍّ آخر غريبٍ عن عالمي الخاص. ولكن هذه الأفكار الغريبة والمشاعر الأجنبيّة تشغل ذهني وتملأ عالمي عن غير إذنٍ ولا رضىً مني كما لو أنّني لست موجودًا بعد. وهذا أمرٌ لا يطاق ويصعب قبوله خصوصًا إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّه لابد لكلّ فكرةٍ من كائن يفكر بها. وهذا يعني أن تلك الأفكار الغريبة عنّي والتي تسكنني ثم تنمو وتتطوّر لابدّ أن يكون لها كائنٌ أجنبيٌّ يحملها في باطني ويقيم في داخلي أنا وأجهله كلّ الجهل. فلا جرم أن يكون استبطان الآخر هذا يقلقنا بقدر ما يسحرنا. فأن نكون من لا نكون ولو لزمنٍ قصير أمرٌ تهتزّ له دعائم شخصيّتنا. والقارئ الذي يتحوّل إلى وسيلةٍ تلجأ إليها تجربةٌ غريبةٌ عليه كي تتجسّد أو يصير شاشةً تنعكس عليها حياةٌ أخرى غير حياته تختلط عليه ملامح هويّته الخاصة وتختلط عليه الأسباب ولا يعود يعرف من هو على وجه اليقين.
أن نقرأ هذا يعني أن تصبح حدود شخصيّتنا مباحةً للآخرين فتجتاحها التيّارات والانطباعات والأفكار الكامنة في الكتاب الذي نأخذ بين أيدينا. وتنطلق من قمقمها كجنّي علاء الدين وتتجسّد في عالمنا الداخليّ منذ أن نشرع في القراءة.
فأن نقرأ كتاب الأيّام (1929) لطه حسين هو أن نعيش حقًّا ما عاشه الصبيّ الضرير في قريته والألم الماحق الذي أخذته بتلابيبه حين ماتت أخته الصبيّة لإهمال أهلها الآثم وأن نجعل الإشارات أو الصرخات الغاضبة التي تصدر عن الكاتب الذي يرجع وقد بلغ مبلغ الرجال إلى موطن طفولته الشقيّة إشاراتٍ وصرخات غضبٍ تصدر عنّا نحن الذين بلغنا مبلغ الرجال ونرجع إلى موطن طفولتنا الشقيّة.