الصفحة 107 من 146

وسواء أكان الأمر متعلّقًا بالناحية النفسيّة للقراءة أو ببعدها الفيزيائيّ حقًا فإنّ تمثّل شخصٍ آخر يفترض بالضرورة أن نخرج إلى نحوٍ ما من حدودنا.

إنّ انهيار دعائم وجودنا هذا انهيارًا مؤقّتًا هو ما يشرح ولا ريب ما اعتاد بعضهم على وصف القراءة بأنها حيرةٌ أو دوار يضطرب فيه الإنسان بين القلق والغبطة. ذلك أنّ القراءة تستبدل ما نحن عليه عادةً أي أجزاءٌ من خطاباتٍ شتّى تصدر عن جهاتِ شتّى تجعل منا كائنات ممزّقةً مليئةً بالتناقضات وبالعواطف المتباينة بكائنٍ مسحورٍ، كائنٍ قارئٍ فذّ ليس ينطبق كلّ الانطباق على حقيقتنا المُتشعّبة ولكنه ليس بكائنٍ آخر.

1 -3 - تأمّلٌ ومساهمةٌ

ولكن اندماج القارئ في عالم النصّ قد يرتدي أشكالًا مختلفةً غاية الاختلاف. ويرتبط هذا إلى درجةٍ بعيدةٍ بالمسافة التاريخيّة التي تفصل بين القارئ وبين عهد النصّ المقروء. فحين يكون القارئ معاصرًا للنصّ فإنّ القراءة يمكن لها أن تجدّد من أحاسيسه وربما تجعله يغيّر من طريقة رؤيته للكون وإدراكه للأشياء.

كيف يمكن أن نشرح هذه الظاهرة؟

إنّنا نفسّرها بتحوير النصّ الأدبيّ لمعطيات العالم وبتغييره لها. إنّ رواية عبد الرحمن منيف (1933) شرق المتوسّط (1975) تجعل من القمع البوليسيّ نابضًا سرديًّا أساسيًّا في أحداثها التي تجري في دولةٍ ما من دول الشرق الأوسط العربيّة. وتعرض الرواية وقائعها وتصف رعب حامد من خلال حامد نفسه. وليس بمقدور القارئ العربيّ الذي يعي الأحداث من خلال ضمير حامد المقهور إلاّ أن يتأمّل في طبيعة هذه الأنظمة السياسيّة الحديثة والمخيفة سواء أكان هذا القارئ ينتمي إلى هذا القسم من الوطن العربيّ أو إلى قسمه الإفريقيّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت