فهرس الكتاب
وتصبح الظاهرة أوضح حين نقرأ نصوصًا قديمةً أو متأخّرةً. فكتاب الاعتبار لأسامة بن منقذ (1095 - 1188) يرغم القارئ العربيّ المعاصر على تعديل رؤيته الشخصيّة للكون بقدر ما ترغمه على إعادة بناء الأفق الثقافي الذي يسبغ على النص معناه ولحمته. فهذا النصّ الذي أملاه الأمير السوري على كاتبه مقتبسًا بنية كليلة ودمنة يضع القارئ أمام حياةٍ سياسيّةٍ عاصفة في قرن يملؤه الصخب والعنف سقطت فيه القدس أمام فرسان الحملة الصليبيّة الأولى وبنى هؤلاء فيه دولًا وممالك على الساحل السوري وبزغ فيه نجم زنكي فأوقع بالصليبيّين أولى هزائمهم وطردهم من الرها في عام (1144) وكانوا قد أقاموا فيها إمارةً منذ (1097) ثم بنى فيه ابنه نور الدين دولته بعد أن دخل دمشق عام (1154) وظهر فيه أخيرًا صلاح الدين بن أيوب فأنهى دولة الفاطميّين في القاهرة (1171) وأعاد مصر لبني العبّاس قبل أن يشمر عن ساعديه لطرد الصليبيّين من القدس عام 1187.
إنّ ما يعيد القارئ بناءه إذن هو إشكاليّةٌ سياسيّةٌ وثقافيّةٌ تخصّ ذلك القرن الثاني عشر المضطرب. والقارئ يكتشفها لأنها قائمةٌ في صلب النصّ الأدبي ذاته ولأنها مادة النص الخام ووعيه المجرّد معًا.
ويصف إيزير سلوك القارئ هذا بأنه سلوك تأمّلي.
وعليه فإنّ هناك مشاركةٌ ومساهمةٌ حين يتجاوز القارئ وضعه الضيّق والمحصور في حياته اليوميّة. وهناك تأمّلٌ حين يبلغ رؤية للكون ليست من عالمه الثقافي ولا من أفقه المألوف.
2 -متعة اللعب
2 -1 -"البليينج"و"الجيم".
لقد رأينا فيما سبق أن ميشيل بيكار يقترح أن نفهم تلقّي النصوص الأدبيّة حسب أنموذج اللعب. وتجمع القراءة إذا أخذنا بهذا القول بين صنفين من صنوف التسلية مختلفين كلّ الاختلاف.