فهرس الكتاب
ولنضرب على قولنا هذا مثالًا من رواية كوكب القردة لكاتبها بيير بول. وتبدأ الحكاية حين يعثر جين وفيليس وهما يقومان بنزهة في الفضاء على زجاجةٍ مغلقةٍ تحتوي على قرطاسٍ. ويقرآن في القرطاس قصة رجلٍ حطّ عقيب رحلةٍ قام بها في رحاب الكون فوق كوكبٍ تحكمه قردةٌ فطنةٌ. وبما أن الكاتب لا يصف لنا شخصيْ جين وفيليس ولا ملامحهما فإنّ القارئ يملأ هذا الفراغ القائم في النص الروائي بتصوّرات من ثقافته العامة ومن ردود فعله التلقائيّة. ويتخيّل أن جين وفيليس زوجان شابان. ولكن الكاتب يكشف للقارئ في نهاية القصة أنّ هاتين الشخصيّتين هما في الحقيقة قردان وليسا كائنين بشريّين! وهنا يجد القارئ نفسه مرغمًا على تعديل تصوّره الأول. وإذ يفعل فإنّه لا يستطيع إلاّ أن يعمل النظر بميله التلقائي إلى إسباغ الصفات البشريّة على ما يتخيّله والذي يفرض عليه نحوًا من تصوّره للكون.
لقد اضطّر قارئنا هنا إلى أن يتورّط شخصيًّا في القراءة قبل أن يجد نفسه مرغمًا على إعادة النظر في ردّة فعله الأولى وعلى وضع نفسه موضع التساؤل. إن تفحّص الإنسان لنفسه هذا ونقده لذاته يضفيان على القراءة أهميّةً بالغةً. وللتناقضات التي أبدعها القارئ حين تخيّل تصوّراته أهميتها الخاصة بها. فهي ترغمه على اكتشاف نقص هذه التصوّرات التي تخيّلها بنفسه، وبالتالي على أن يتّخذ مسافة بينه وبين النص الذي يساهم فيه فيصبح هو نفسه موضع المراقبة أو إنه يرى نفسه على الأقل متورّطًا في النص. إنّ قدرة القارئ على رؤية نفسه منخرطًا في مسار يؤثّر فيه لحظةٌ أساسيّةٌ في تجربته الجماليّة. واستبعاد الذات ومهما كان الشكل الذي يرتديه تجربةٌ تخصب الذات أبدًا.