فهرس الكتاب
وتدفع بعض النصوص الأدبيّة ككتابات الأمريكيّ ويليام فوكنر (1897 - 1962) بهذا الأسلوب الأدبيّ حتى نهايته القصوى، ولقد لجأ نجيب محفوظ إلى هذه الطريقة على الأقل مرّةً واحدةً في روايته ميرامار (1967) . فهو يقصُّ علينا حكايته من خلال عامر وجدي وحسني علاّم ومنصور باهي وسرحان البحيري .. وهو إذ يغيّر باستمرار من زاوية السرد يمنع القارئ من تبنّي منظورٍ واحدٍ عامٍ وشاملٍ يلمّ بكلّ أطراف النص. ويحرمه من رؤية مركزيّةٍ تجعل في مقدوره أن يوحّد ضمن منحى سرديّ واضحٍ أفكار شخصيّات الرواية ومناجاتها والتي تتقاطع وتتشابك طيلة النص.
وإذ يفشل القارئ باستمرار في فكّ رموز النص فإنّه مضطرٌ لأن يتساءل حول صحة طريقته بمقاربة النص. وإذ يضطر باستمرار إلى استعادة تصوّراته الأولى وتعديلها وأحيانًا إلى التخلّي عنها فإنه مرغمٌ في نفس الوقت على أن يقرأ وعلى أن يراقب نفسه وهو يقرأ!
إنّ هذا النوسان الدائم بين الانخراط والتورّط تارةً والابتعاد وإعمال النظرة تارةً أخرى هو ما يجعل من القراءة واقعةً نعيشها.
3 -سياحةٌ داخل الزمن
3 -1 - النكوص إلى الوراء.
إنّ القراءة تجعلنا مسافرين داخل الزمن. وليست جملتنا هذه من باب الاستعارة إلاّ قليلًا. فحين نفتح صفحات رواية فإننا نقرّ ضمنًا برضانا بأن نتناسى لفترةٍ من الزمن الواقع الذي يحيط بنا كي نصل من جديدٍ الجسور التي تربط بيننا وبين طفولةٍ تملأ الحكايات والقصص كلّ زواياها. وإذ تنّبه القراءة من نومها الأنا المتخيّلة، وهذه تكون عادةً في حالة سباتٍ عند الراشد المستيقظ. فإنها تنقل القارئ من جديد إلى الماضي البعيد.
ما الذي يجعل هذا الجزء الكامن فينا والذي ورثناه عن طفولتنا ينهض من غفلته بهذه السهولة؟.