الصفحة 113 من 146

إن الجواب يكمن في التشابه القائم بين حالة القراءة وحالة النوم. فوضع المرء الذي يقرأ قريبٌ، من ناحية الطاقة النفسانيّة من وضع المرء الذي يحلم. والقراءة كالنوم تقوم على سكونٍ نسبيٍّ وعلى يقظةٍ محدودةٍ (معدومةٍ عند النائم) وعلى تعطيل دور الفاعل الإيجابي لصالح دور المتلقّي السلبي.

وعليه فإن القارئ وقد وضع على هذا النحو في حالةٍ اقتصاد للطاقة شبيهةٍ بحالة اقتصاد الطاقة عند الحالم يترك مؤثّراته النفسانيّة تأخذ طريق الرجعية أو الارتداد إلى حالة سلوك سابقة.

ولقد صاغ مفهوم الارتداد هذا كريستيان ميتز Christian Metz في كتابه Le Signifiant imaginaire الدال الخيالي. ويذهب كريستيان ميتز من التمييز بين ما يدرك في حالة اليقظة وبين ما يتصوّر في حالة الحلم.

تَرِدُ المؤثّراتُ النفسانيّة في حالة الشخص المستيقظ الفعّال من الخارج (أي من العالم المحيط) نحو الداخل (أي الجهاز النفساني حيث تنطبع هذه المؤثّرات) . ويسمّي الكاتب هذا المسار أو هذا المنحى الذي تسلكه المؤثّرات بالمنحى أو المسار التقدّمي.

والأمر على نقيض ذلك عند الشخص الحالم السلبيّ. فالمؤثّرات تصدر من لا وعي الشخص (وهي كائنةٌ ومنذ البداية داخل الجهاز النفسانيّ) وتوهم بأنّها خارجيّةٌ عن طريق إنتاجها لصورٍ ذهنيّة. ويسمّي ميتز هذا المسار التراجعي أو الارتدادي.

والمسار التراجعيّ هذا (من الداخل النفسانيّ إلى التصوّرات) هو الذي يجعل ممكنًا ظهور الهلوسة والهذيان.

وهذا الارتداد لا يبلغ بطبيعة الحال في القراءة الدرجة التي يبلغها في حالة الحلم. وكما أن موج الارتداد يصطدم عند الشخص الذي ينظر إلى فيلم سينمائيّ بماديّة صور الفيلم وصوته فإن موج الارتداد عند القارئ يبقى مقيّدًا بحامل الهلوسة أي بالكتاب نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت