فهرس الكتاب
ويمكننا كذلك أن نضيف ملاحظةً أخرى. فبما أن الستار اللغويّ هو أقلّ كثافةً منه من شاشة السينما فإن المسار التراجعي عند القارئ يصل إلى أبعد مما يصل إليه عند مشاهد السينما. فتصورّات القارئ الوهمية تتعامل مع عنصرٍ واقعيّ هو أقل قسرًا بكثيرٍ في القراءة منه في السينما. وهذا ما يفسّر تلك الصداقة الحميمة والنادرة (والتي هي بإمكان كلّ قارئِ) التي تشدّ الشخص الذي يقرأ إلى الشخصية الروائيّة التي يقرأ ما يقع لها.
ويلعب خيال القارئ الشخصيّ في التوهّم دورًا يجعلنا نستطيع الحديث عن حضورٍ للشخصيّة الروائيّة داخل شخص القارئ. وليست تستطيع أي صورةٍ سينمائيّة أبدًا مهما بلغت من القوّة أن تعطينا هذا الشعور بالتوحّد الذي نجده باستمرار بين شخصٍ القارئ والشخصيّة الروائيّة التي يتصوّرها. وهذا يجعلنا بدوره نفهم الإحساس بالخيبة التي تغمرنا عادةً حين نشاهد على شاشة السينما أو التلفزيون فيلمًا اقتبس من رواية قرأناها. وذلك أن الشخصيّة الروائيّة التي تبلغ درجة التواجد بفضل تصوّرات القارئ التخيّليّة تبدو على الشاشة وكأنه كائن مطلقٌ مستقلٌّ بذاته يأتي إلى الوجود دون أن يساهم فيه القارئ أبدًا. وذلك أيضًا لأن الصلة الحميمة التي كانت تشدّ القارئ إلى المخلوقات الروائيّة قد قطعت تمامًا في العمليّة السينمائيّة.