الصفحة 115 من 146

وما يفقده القارئ حين تنقل الرواية إلى السينما هو قدرة الخلق والإبداع الممتعة. فهو حين يقرأ يلبس الكلمات ثيابًا زاهيةً حسب سبل متعته الشخصيّة المتفرّدة والمتميّزة عن متع الآخرين. وهو حين يرى ذات الرواية منقولةً إلى السينما فإنه يتشوّق لأن يجد من جديدٍ متعته الأولى بل وينبغي لنا أن نقول إنه يتشوّق لأن يرى من جديدٍ ما كانت متعته قد كست به شخصيّات الرواية. وهو يخضع إذ ذاك لقوة التكرار القاهرة والتي تكمن في قلب المتعة ذاتها فتدفع الطفل مثلًا إلى أن يلعب باستمرارٍ نفس اللعبة وتسوق المراهق إلى أن يستمع دائمًا إلى نفس الشريط الموسيقيّ قبل أن تملّه نفسه فينتقل إلى شريطٍ آخر فيرتوي منه حتى الثمالة قبل أن يتركه إلى عقار آخر. ولكن قارئ الرواية لا يرى على الشاشة أمامه"فيلمه"هو!. إن الصور التي تتوالى أمام ناظريه في الفيلم"الحقيقي"هي توهّمات شخصٍ آخر ورغبات شخصٍ آخر وصور تنبع متعة شخصٍ آخر. وهو ما يندر بنا أن نجده أمرًا سائغًا.

من منّا، غير مخرج فيلم اللص والكلاب، كان تخيّل سعيد مهران على صورة شكري سرحان أو كان تمثّل نور على ملامح شادية؟ من قارئٌ للثلاثيّة يرى دون أسفٍ يحيى شاهين وقد أخذ مكان أحمد عبد الجوّاد تلك الشخصيّة الفريدة والعصيّة على التمثيل والتي كان قد تخيّلها حسب حياته الخاصة الفريدة وحسب ماضيه الفريد والخاص به؟

إنّ فرض وجهٍ معيّنٍ (حتى ولو كان وجه شكري سرحان أو سعاد حسني!) على الشخصيِة الروائيّة يسلبنا حقّنا ونصيبنا منها.

3 -2 -"الطفل الذي يقرأ فينا".

إنّ الطفل الذي يقرأ فينا إذن هو الذي يجعلنا نؤمن بالقصص المتخيّلة ونصدّقها. إنّه زمنٌ كانت تسود فيه الخرافة ولم نكن نميّز فيه بين ماهو كائنٌ وبين ما كان يحلو لنا أن يكون!. من منّا لم يؤمن بالغول؟ من منّا لم يؤمن بعنترة بن شدّاد؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت