فهرس الكتاب
إنّ هذا القبول الجذل بالوهم لا يختفي أبدًا اختفاءً كاملًا. وإنّ ما كنّا نؤمن به أطفالًا يعود فينشط في سنّ الرّشد إذا توفّرت لذلك بعض الظروف (منها ظرف القراءة) وهو يكمن خلف ما نؤمن به كبارًا. ما إن نفتح روايةً حتى يرجع الطفل الذي فينا ثانيةً ويظهر كرّةً أخرى. على هذه الدرجة من القوّة أو تلك.
وهذا الطفل الكامن فينا يصرّ ويتشبّث. إنّه هناك يقرأ ويلهو متحرّرًا من قواعد المنطق الضيّق وعابثًا بمقولات الزمان والمكان. واستسلام القارئ المنافق لوهم القراءة يقوم على إيمان الطفل الساذج والعميق بعالم الخيال.
وبكلماتٍ أخرى إنّ القارئ البالغ يستخدم الطفل الكامن فيه كعذرٍ ليؤمن خلال فترة القراءة بما يرفضه منطقه كراشدٍ في مكانٍ آخر. وهكذا نجد الطفل وسيطًا أو شاهدًا أو بطلًا يختبئ خلفه القارئ الراشد في كثيرٍ من القصص الخياليّة وخصوصًا منها الرواية القائمة على المبالغة أو الأحداث الخارقة للعادة أو البطولات الفذّة كسيرة الملك سيف بن ذي يزن أو سيرة فيروز شاه أو في الروايات البوليسيّة.
أن نقرأ هو إذن أن نعيد الصلة كرّةً أخرى مع ما كنا نؤمن به صغارًا. وبكلمةٍ أخرى مع ما كنّا نشعر به. والقراءة التي طالما فتحت لخيالنا في الماضي عوالم لا حدود لها تبعث ذلك الماضي من جديدٍ كلّما شاقنا الحنين إليه وفتحنا روايةً نقرؤها. وبهذا المعنى فإنّ أوّل ما قرأناه هو الرحم الذي تخرج منه قراءاتنا اللاحقة.
ما عمرنا حين نقرأ؟
ولنجب وبدون تردّد: عمر الطفولة!. إنّنا نقرأ كأطفالٍ مهما كان عمرنا حسب البطاقة الشخصيّة وعلى ضوء أوّل مرّةٍ قرأنا بها أطفالًا ومن خلال هاجسها. إنّ أوّل حرف في القراءة هو الرغبة الحارقة. والقراءة شهوةٌ طفوليّةٌ. وحين نراود النصّ بالنظر أو بالقلم فإنّنا نرتاد أرض جنةٍ سلفت ونضارةً مضت ووثبة خيالٍ جموحٍ عقل في مطلع حياتنا الواعية.
إنّ القراءة هي قبل كلّ شيءٍ ثأر الطفولة.