الصفحة 117 من 146

3 -3 - رجعة الماضي العاطفي.

إنّ باستطاعتنا أن نقول، وبشكل أكثر دقّةٍ، إنّ القراءة ترجعنا إلى ماضينا بكيفيتين متميّزتين كما برهن على ذلك ميشيل بيكر Michel Picard في كتابه قراءة الوقت. Lire Le temps.

نستطيع أن نلخّص الكيّفيّة الأولى بقولنا: إنّ اتحادنا مع بعض المواقف الروائيّة يجعلنا نعيش من جديد القصص الوهميّة التي أنشأناها في طفولتنا.

وأمّا الكيّفيّة الثانية فهي أنّ بعض تفاصيل النصّ المقروء توقظ فينا صورًا باطنيّةً دفينةً وهي ما يسمّى"بشاشة الذكرى".

وسوف ندرس الكيّفيّة الأولى التي ترتبط بأثر الرواية في الفصل السادس الذي نخصّصه لهذا الموضوع وسوف نكتفي هنا بأن نشير على عجل إلى النقطة الثانية.

إنّ شأننا، حين نقرأ نصًّا، بتخيّل أداةٍ ما أو بتصوّر مشهد ما أو بتمثّل شخصيّة روائيّةٍ ما يبعث فينا ومن باطننا صورًا كانت خبيئةً يصعب علينا في كثيرٍ من الأحيان أن نقول على وجه الدّقّة من أين أتتنا. فبندقيّة محمّد المسعود في (صخرة الجولان) ووجه مصطفى سعيد أو ليالي لندن في (موسم الهجرة إلى الشمال) هي تصوّراتٌ تختلف من قارئٍ لآخر وأحيانًا عند نفس القارئ من عمرٍ لآخر رغم وحدة التفاصيل التي تقترحها الروايتان على القرّاء.

حين يكتب نجيب محفوظ في مطلع قصر الشوْق:

"أغلق السيّد أحمد عبد الجوّاد باب البيت وراءه، ومضى يقطع الفناء على ضوء النجوم الباهت في خطواتٍ متراخيةٍ، وطرف عصاه ينغرز في الأرض التربة كلّما توكأ عليها في مشيته المتثائبة". من أين تأتينا الصورة التي نكسو بها شخصيّة أحمد عبد الجواد؟ من أين تأتينا صورة الفناء الغارق تحت ضوء النجوم الباهت؟. كيف هي"الخطوات المتراخية"؟ كيف نرى"المشية المتثائبة"؟.

ليس بالأمر اليسير أن نجيب على هذه الأسئلة. ولكن الأمر الذي لا ريب فيه هو أنّ هذه الصور جميعها وعلى تباينها من فردٍ لآخر تنبثق من ماضٍ متفرّدٍ خاطفٍ ولا نعيه دائمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت