الصفحة 119 من 146

على أن ضعف الفنّ القصصي فيها وغلبة البراعة والسخرية وخفة الروح عليها لم يمنع أن يكون في بعضها كالمقامة القريضية مثلًا غايةً أخرى.

ويسلك الكاتب في مقامتنا هذه سلوكه في بقيّة مقاماته، ويلتزم فيها كلّ الالتزام بالقواعد التي استنّها في هذا الفن الفريد. فهناك الراوي (عيسى بن هشام) والقوم من حوله وهناك البلد البعيد (خوارزم) . وهناك اللقاء مع الشخص الغريب (أبو الفتح الإسكندري) الذي يثير فضول الجماعة ويقود حبل الحكاية إلى نهايتها المألوفة. وهناك كما في بقيّة المقامات الجملة القصيرة الأنيقة والمسجوعة. وهناك التناصّ الذي يلجأ إليه فن المقامة على نحوٍ شديدٍ. فهناك تناصٌ بقول ينسب للحباب بن المنذر (أنا عُذْيْقُها المُرَحَّبُ وجُذَيْلُها المُحَكَّكُ) وآخر بجملة تذكّر بالمتنّبي (وأسمعت كلماتي من به صمم) 1 - .

يسعى الهمذاني إذن في هذه المقامة من خلال لجوئه إلى مجموع حيل فنّ المقامة وحسب ظاهر الأمور إلى ما يسعى إليه أيضًا في بقيّة المقامات من إمتاع القارئ وتسليته.

ولكن سرعان ما يبدو للعين اليقظة أن الكاتب يريد بالإضافة إلى ذلك أن يثير اهتمام القارئ بمسألة كانت تشغل أوساط أهل الأدب وأنّه يعملُ على إقناعه بوجهة نظر معيّنةٍ.

لقد كانت المُفاضلة بين الشعراء والقول بأنّ فلانًا أشعر من فلانٍ إطلاقًا واحدًا من أسس النقد. وكانت المفاضلة بين القدماء (شعراء دولة بني أميّة وما قبلها) وبين المتأخّرين (شعراء دولة بني العبّاس وما وليها) تملأ المجالس الأدبيّة في حضرة الصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عبّاد الطالقاني (938 - 995) التي كان يرتادها أبو الفضل أحمد بن الحسين. فقام الخلاف بين الأدباء وصيارف الكلام: أيّ الفريقين خير منزلةٍ في الأدب وأحسن مقامًا فيه؟ وأدلى فيه الهمذاني بدلوه مع دلاء الآخرين وخصوصًا أبي بكر الخوارزمي (935 - 993) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت