فهرس الكتاب
ويعلن أبو الفتح الإسكندري في المقامة القريضيّة ناطقًا ولاشك بلسان الكاتب بأن المفاضلة بين كلّ شاعرين عسرةٌ لا يتهجّم عليها ولا تجوز لناقدٍ. وأن خير ما يذكره حكمٌ منصفٌ هو الإذعان لأحدهما بنوعٍ وللآخر بفنٍّ. كأن نقول"الفرزدق أمتن صخرًا وأكثر فخرًا وجرير أوجع هجوًا وأشرف يومًا"
إلخ ..."."
وأمّا القول الفصل فيما شجر بين النقّاد بخصوص القدماء والمحدثين فبديع الزمان الهمذاني يقتدي بما ذكره أبو العبّاس المبرّد (826 - 898) في الكامل ويحاول أن يقنع القارئ بأنه"ليس لقدم العهد يفضّل القائل، ولا لحدثان العهد يهتضم المصيب، ولكن يعطى لكلّ ذي حقٍّ حقّه". وهاهو أبو الفتح يعلن في مقامة تسعى إلى التسلية أمرًا على غاية الجد:"المتقدّمون أشرف لفظًا، وأكثر من المعاني حظًّا، والمتأخّرون ألطف صنعًا، وأرقّ نسجًا".
لقد جمع الهمذاني هنا بين التسلية الظاهرة والتفكير العميق. واستخدم شكلًا من أشكال اللهو ليطرق بابًا خطرًا.
وبالنظر إلى مرامي النصّ وطموحه بالتأثير بالقارئ فالقراءة ليست أبدًا نشاطًا محايدًا.
1 -2 - الجمعي والفردي.
هناك طريقتان لإدراك الآثار الملموسة التي يتركها عملٌ أدبيٌّ ما. فنحن نستطيع أن ندرس القراءة من خلال نتائجها العامّة على مجتمع ما. أو من خلال تأثيرها الخاص على قارئ محدد. أي أنّنا ننظر إليها في الحالة الأولى من خلال علاقتها مع جمهورٍ من القرّاء بينما ننظر إليها في الحالة الثانية من خلال علاقتها مع فردٍ واحدٍ.
إنّ دراسة تأثير النصّ على الجماعة يجعلنا نعيد للنصّ بعده الثقافيّ وذلك من خلال المسلّمة التالية: ليس القارئ فردًا منعزلًا في الساحة الاجتماعيّة وهو ليس يعيش متفرّدًا على جزيرة حيّ بن يقظان! وعليه فإن التجربة التي تنقلها القراءة لابدّ لها أن تلعب بالضرورة دورًا في تطوّر المجتمع العام.