فهرس الكتاب
ويرى جوس Jauss أن تأثير القراءة قد يتخذ أشكالًا ثلاثةً متميّزةً. فهي قد تنقل الأنموذج المعياري كما ورثه المجتمع من تاريخه. وقد تبدع أنموذجًا معياريًّا جديدًا تقترحه على مجتمعها. وهي قد تحدث قطيعةً في الأنموذج السائد وسط هذه الجماعة الإنسانيّة.
ويمكن للعمل الأدبيّ أن يعلن شرعيّة القيم المهيمنة في مجتمعٍ ما ويعمل على نقلها كما هي وهذه حالة الأدب الرسميّ أو حالة الأدب الذي يلجأ إلى النماذج الجاهزة. وقد يطالب الكتاب بقيمٍ جديدةٍ مستحدثةٍ ويعمل على إضفاء الشرعيّة عليها وهذه حالة الأدب التعليميّ أو الأدب المناضل. وقد يقطع العمل الأدبيّ صلاته بالقيم التقليديّة بأن يجدّد أفق انتظار القارئ وبأن يغيّر من تطلّعاته ..
وباستثناء حالة الكتب الأدبيّة الرسميّة أو القصص الجاهزة فإنّه يكفي أن يحمل نصٌّ ما على نحوٍ واعٍ أو لا القيم السائدة في عصره كي يلعب دورًا اجتماعيًّا في نقل النماذج المعياريّة في هذا المجتمع وبالتالي في تعزيزها وتدعيم أركانها.
فإذ يمجّد كتاب كليلة ودمنة من دور السلطان (الأسد في غابة الحيوان) ويدعو إلى الامتثال له والخضوع له حفظًا على أمن الجماعة وحسن سيرها وهو إذ ينادي باحترام الوالدين والروابط الاجتماعية وبضرورة احترام النظام القائم على معايبه لأنه خير من الفوضى وشرورها فإن الكتاب ينقل القيم التي قام عليها المجتمع العربيّ الإسلاميّ أيّام دولة بني العبّاس. وعليه فإن قيمة الكتاب في البصرة في القرن الثامن الميلاديّ كانت أبعد بكثير من حياة المربد الأدبيّة ومهاجاة شعرائه.