فهرس الكتاب
ومع ذلك فإنّ العمل الأدبيّ يمكن له عن طريق القراءة أن يفتي بشرعيّة قيمٍ جديدةٍ بدلًا من الاكتفاء بضمان القيم المسيطرة. ولا تكتفي القراءة عندها بنقل النماذج المعياريّة ولكنها تخلق مراجع جديدة. وهذا ما نراه في مجموعة من الروايات العربية التي ظهرت في نهاية العقد السادس ومطلع السابع. كرواية المصري صنع الله إبراهيم (القاهرة 1937) تلك الرائحة (1966) والسوري هاني الراهب (اللاذقية 1939) شرخٌ في تاريخ طويل (1970) والكويتي إسماعيل فهد إسماعيل كانت السماء زرقاء (1971) والأردني عبد الرحمن منيف الأشجارُ واغتيال مرزوق (1973) . فقد طالبت جميعها بأن نبحث في واقع المجتمع العربيّ وطبيعة أنظمته تفسيرًا لتخلّفه ولهزيمته أمام الأعداء. وهي إذ فعلت ذلك فإنّها كانت تدير ظهرها للتفاسير الشائعة آنذاك والقائمة على موضوع المؤامرة الخارجيّة وتواطؤ الطابور الخامس والجواسيس العملاء. وكان نجاح هذه الروايات حسنًا في الأوساط العارفة ففرض حساسيّةً جديدةً وبشّر برؤيةٍ جديدةٍ ونقدٍ مختلفين.
وقد تظهر القطيعة مع الأنموذج السائد في الحقل الجماليّ. وهنا يؤكّد العمل الأدبيّ الخلاّق صفته التجديديّة بأن يغيّر من أفق انتظار القارئ الأدبيّ. ولقد ساهمت رواية البحث عن وليد مسعود عند ظهورها بتغيير حساسيّة القارئ الجماليّة. فبينما كان القارئ معتادًا على الصيغ الجاهزة كما نجدها عند إحسان عبد القدوس أو نوع من الغنائيّة العاطفيّة كما نجدها عند نجيب محفوظ جاءنا جبرا إبراهيم جبرا بأسلوب صارم ودقيق يكتفي بالإيحاء والإشارة أكثر مما يلجأ إلى الشرح والوصف. وترسم جمله عالمًا داخليًّا أكثر قسوةً وعنفًا ومواقف معقّدةً تنبع من ضمير الشخصيّة الروائيّة أكثر مما تصدر عن تناقضها مع المجتمع المحيط كما هي في أغلب الأحيان عند أستاذنا نجيب محفوظ. ومن شأن معالجةٍ كهذه أن تمتد من ميدانها الأدبي المحدد إلى الميدان
الاجتماعي الواسع بأكمله.