فهرس الكتاب
فحين أقرأ على سبيل المثال يوميّات نائب في الأرياف فإنني لا أستطيع أن أختار الزاوية التي أنظر منها إلى أحداث الرواية. وما أعرفه عنها ومنها هو ما يريد الراوي الذي يستخدم ضمير المتكلّم أن أعرفه. وليس بوسعي البتة أن أعرف وقائع الأحداث ولا أن أدركها إلاّ من خلال نظرته وإدراكه لها. وأنا أنظر إليها من خلال عينيه وأنا أفهمها من خلال الكلمات التي يختارها هو وينقلها إلي وعلى النحو الذي يريد! وإذن فإن النصّ يفرض عليّ منظوري للأحداث.
وهو"أثر النصّ"العائد للقطب الفنيّ.
ولست بقادرٍ أن أتحرّر من قيود هذا المنظور واللجوء إلى قطبي الجمالي الخاص بي إلاّ في وقتٍ لاحقٍ، وعندها فقط أستطيع أن أعتبر منظور الراوي مشروعًا أو لا. وعندها يمكنني أن أركن إليه أو أن أطرحه بعيدًا!. ومهما يكن موقفي من النصّ فليس الأمر بعد أمر الأثر الفني الذي يتركه النصّ وإنما هو أمر"تلقّي النصّ"الجمالي.
إنّ هذا التمييز بين"أثر النصّ"وبين"تلقّيه"يجعلنا ندرك أن العلاقة بين القارئ والنصّ هي وعلى وجه الدوام علاقةٌ سلبيةٌ وإيجابيّةٌ معًا منفعلةٌ وفاعلةٌ في نفس الوقت. وليس يستطيع القارئ أن يستخلص تجربته من القراءة إلاّ بمقارنة رؤيته للعالم مع الرؤية التي يتضمّنها النصّ.
إنّ تلقّي القارئ الذاتيّ مشروطٌ بأثر النصّ الموضوعيّ.
ولأنّ الجريمة والعقاب تضعني موضوعيًا في منظور قاتلٍ يعذّبه ضميره فإنني أستطيع ذاتيًّا أن أعدّل من رؤيتي للجريمة والمجرمين.
2 -2 - المعنى"والتعبير عنه"