الصفحة 125 من 146

ليست القراءة إذن وهي تقود القارئ إلى أن يتمثّل رؤية النصّ في رؤيته الذاتيّة عمليّةً سلبيّةً أبدًا. وليس يستخلص القارئ من العلاقة التي يقيمها مع النصّ معنىً وحسب ولكنّه يستخلص كذلك منه"تعبيرًا". ويمكننا أن نعرّف مستوييْ الفهم هذين بقولنا إن المعنى يرتبط بفكّ رموز النصّ خلال عمليّة القراءة نفسها بينما يشير"التعبير"إلى ما سيتغيّر في حياة القارئ بفضل المعنى الذي أستخلصه. أي أنّ"التعبير"هو أثر المعنى في الحياة الواقعيّة وتجسّده في وعي القارئ وربّما في سلوكه. ويمكن لنا أن نصوغ ذلك على نحوٍ آخر فنقول إن هناك من جهة فهمًا بسيطًا للنصّ وأوليًّا وهناك من جهةٍ أخرى ردّة فعل القارئ الخاصّة أمام ذلك الفهم. أي أن"التعبير"هو أن يستعيد القارئ معنى النصّ من جديد فيسلكه في حياته"ويعبّر"عنه في تجاربه ويتمثّله في وجوده. وعندها نستطيع القول إنّ النصّ يكتسب وجودًا حقيقيًا. وهنا يرحل النصّ الأدبيّ من أوراق الكتاب إلى حياة القارئ أي أن ما قد كتبه رجلٌ آخر يملي عليه جزءًا من وجوده الشخصيّ اليوميّ. فتصبح كتابة الآخر كتابةً له فيشتركان سويّةً بها.

وعليه فإنّ عمليّة القراءة لا تنتهي حين يغلق القارئ جلدتي كتابه ولكنّها تستمرّ فاعلةً ومؤثّرةً في حياته.

إنّ النصّ يترك الكتاب لينزل في حياة القارئ فيبدأ فيها حياةً جديدةً.

وأن نعيش نصًّا مالا يعني بطبيعة الحال أن نطابق أفعالنا مع ما قرأناه في النصّ. فأن نقرأ البخلاء لا يعني أن نصبح بخلاءً بدورنا!. وأن نقرأ أبا نوّاس لا يفرض علينا أن نصبح نوّاسيّين! ولكن هذا يعني أننا ننقل إلى حياتنا صيغًا وجملًا نقتبسها من النصّ المقروء. ومن الشائع أن يصيح أحدنا أمام مشهدٍ من مشاهد الحياة هذا والله من بخلاء الجاحظ! أو هذا ولله سبق بخلاء الجاحظ!. وقد يحدث أن يجد أحدنا نفسه في موقفٍ ما ويقول: لو كان بطل الرواية الفلاني في مكاني لفعل كيت وكيت!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت