الصفحة 139 من 146

إنَّ أول هذه المخاطر هو خطر الذاتيّة أي أن يسقط الدارس ذات نفسه على المادة التي يفترض به أنه يدرسها حسب معايير العلم وأدواته. وهذا خطر يتربّص بالباحثين على وجه الدوام كما رأينا في الفصل الذي خصصناه لهذه القضية. من يضمن لنا أن الباحث الذي يزعم لنا أنه يستخلصُ نشاط القارئ من خلال النصِّ الذي يقرؤه على نحوٍ موضوعيٍّ لا يقدّم لنا في نهاية المطاف رؤيته الذاتيّة؟ إنَّ بعض الدراسات النقديّة تكشف لنا عن مهارة الناقد أكثر مما تنير لنا مسار القراءة الذي تزعم أنّه قائمٌ في صلب النصِّ موضوعيًّا وأنَّ النصَّ يبرمجه.

وثاني هذه المخاطر هو خطر التاريخيانية. وقد صبغت التاريخانية بقوة مدرسة جوس النقدية في مطلع شأنها. وليس هذا الخطر بأقلِّ شأنًا من خطر إسقاط ذات الباحث على المادة المدروسة.

فإن كانت دراسة التلّقي تعني أن نكشف النقاب عن التخيّلات السائدة في عصرها فهذا يعني أن موضوع التحليل هو وبالمعنى الدقيق دراسة تاريخ العقليّات. وقد تكشف لنا دراسة تلقّي نصٍّ ما عن خصوصيّة ثقافة العصر الذي ظهر فيه الكتاب وعن متغيّراته الاجتماعيّة أكثر مما تكشف لنا عن آلية التلقّي نفسها!.

والخطر الثالث هو ما أظهرته الدراساتُ البنيويّة بشقيها الشكلي والتحليلي. فهي تنشئ بنى تحليليةً تبلغ من التجريد والتعميم درجةً لا نعرف معها ما يميّزُ هذا النصَّ عن ذاك ولا ما يفرّق الثمين من الغث. فإن كنا نجد نفس السبل على أرض كلِّ النصوص فلماذا نتعب أنفسنا بقراءة إدوار الخرّاط أو جبرا إبراهيم جبرا بدلًا من الاكتفاء بتصفّح الروايات المسلسلة في مجلة الشبكة؟ وإذا كانت النصوص كلّها تنهض على نفس البنى وترتفع حسب نفس الهيكل فما الفرق عندها بين روايات نجيب محفوظ العظمى وروايات غادة السمّان؟

ليس النشاط الذي يسعى إلى أن يستخلص عددًا معيّنًا من الثوابت بقطع النظر عن القارئ وعن النص أمرًا متعبًا وعقيمًا وحسب. ولكنه أمرٌ خطرٌ كذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت