فهرس الكتاب
وتتغيّرُ الأدوارُ تارة أخرى حين تكتبُ أدنا (الراوي الآن) إلى مروان (المَرويّ له حاليًّا) فتعتذرُ عمّا كتبته وتتمنّى له إقامةً سعيدةً في أوروبّا.
إنّ هذا ما تتميّزُ به على وجه الدقّةِ رواية الرسائل. إنّها تبني عقدتَها وتدفع قُدُمًا بأحداثها عن طريقِ رسائل تتبادلها الشخصيّاتُ الروائيّةُ فتُغيّرُ بذلك من موقِعها. فهي تَروي تارةً، ويُروَى لها تارةً أخرى.
وأمّا النمطُ الثاني فهو نمطُ المَرويّ لَه المُنادى. ونعني بذلك القارئَ النكِرةَ الذي لا هويةَ حقيقيّةً له، والذي يُناجيه الساردُ خلال مجرى الأحداث ويلفتُ اهتمامَه إلى هذه النقطةِ أو تلك. وهذا المَرويّ لَه المُخاطَبُ ليس شخصيّةً روائيّةً فهو لا يتدخّلُ أبدًا في أحداثها ولا يُؤثّر في تطورها. ونحن نعرف مثلًا أنه كان من عادة جرجي زيدان (1861 - 1914) أن يلجأ في كثيرٍ من الأحيان إلى هذا النموذج. وهو يستخدمه ليُعلّقَ على هذه الصفةِ أو تلك من صفات بعضِ الشخصيّات الروائيّة أو لإيضاحِ نقطةٍ من أحداث التاريخ."وأنت تعرِفُ أنّ العباسييّن ينتسبون إلى .. ) أو"ولا ينسى قارئنا أنّ السلطان عبد الحميد قد تسنّمَ العرشَ في عام ...""
وفي أحيانٍ كثيرةٍ يستخدمُ جرجي زيدان المَرويَّ له المُخاطَبَ ليتحلّلَ من دراسةِ الشخصيّة الروائيةِ دارسةً عميقةً."وأنتَ تعرفُ أيها القارئُ أنّ النساءَ من عاداتهن ..". ونجد استخدامًا آخر لهذا النوع على صيغةِ الجمع في رواية الطيب صالح موسم الهجرة إلى الشمال ومنذ سطورِها الأولى حين يبدأ الراوي بقوله: عُدت إلى أهلي، يا سادتي، بعد غيْبةٍ طويلةٍ ..". ولكنَّ هؤلاء أيضًا مَثَلُهم مَثَلُ المَرويِّ لَه الفردُ، لا يفعلون في أحداث الروايةِ لأنهم ليسوا من سارديها ولا من شخصيّاتها وليسوا كذلك من قرّائها المُضمرين."