الصفحة 40 من 146

إنّ آخر أنماطِ المَرويِّ له. هو ذلك المُنزوي جانبًا أو المستتِر. وهو ليس موصوفًا في النصِّ ولا يحمِلُ اسمًا ولا هويّةً، ولكنّه موجودٌ ضمنًا من خلال الثقافة والقيم التي يفترضُ الراوي أنها موجودةٌ عند من يتوجّه إليه النصُّ.

ونسوقُ مثالًا على هذا المقطعَ القصيرَ التالي الذي نأخذه من أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في كتابه البخلاء.

"وزَعمتُ أنّ كسْبَ الحلالِ مُضمّنٌ بالإنفاقِ في الحلال، وأنّ الخبيثَ ينزعُ إلى الخبيثِ وأنّ الطيّبَ يدعو إلى الطيّبِ، وأنّ الإنفاقَ في الهوى حِجابٌ دون الحقوقِ، وأنّ الإنفاقَ في الحقوقِ حجازٌ دون الهوى، فعِبتُم عليَّ هذا القولَ، وقد قال معاوية: لم أر تبذيرًا قطّ إلاّ وإلى جانبهِ حقٌّ مُضيَّعٌ. وقد قال الحسنُ: إذا أردتُم أن تعرِفوا من أين أصابَ مالَه. فانظروا في أيّ شيءٍ يُنفقُه. (1) "

هذه بعضٌ من الحججِ التي يسوقُها سهل بن هارون (بدء القرن التاسع) في معرض ردّه على بني زياد بعد أن ذمّوا مذهبَه في البُخل. ولن يفهمَ قارئ اليومَ برهانَ ابن هارون إن جهِلَ أنَّ معاويةَ المشار إليه هو معاوية بن أبي سفيان (توفي 680) مؤسّس الدولة الأمويّة وأنَّ الحسن هذا هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصريّ (642 - 728) . وإن جهِل كذلك أن أوّلهما كان يرمز في الثقافة العربيّة السائدة أيّام الجاحظ إلى العظمة والثراء مع حُسنِ السياسة وأنَّ ثانيهما كان يجمع بين الفقه والزهد وأنَّ الاثنين معًا قد عُرِفا بالنظر الثاقبِ وقوّةِ العبارة. وإذن فإنَّ المَروي له المنزوي في كتاب الجاحظ كان لابدَّ له من أن يلمَّ بحدٍّ أدنى من الثقافة العربيّة السائدة في القرن التاسع الميلاديّ وهكذا يتضح لنا أنّ المروي له أو المنزوي هو عينُ المرويِّ له الخارجي الذي وصفه الناقد الفرنسيّ جينيت، وأنّه النمطُ الوحيد من بين أنماطِ المرويّ له الثلاثة الذي نستطيعُ بفضلهِ أن نُحيط نظريًّا بعمليةِ القراءة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت