فهرس الكتاب
المقصود بذلك أن معنى النصِّ ينبني بنفس الطريقة بالنسبة لجميع القرّاء. ولكن الاختلاف في فهم هذا المعنى من قارئ إلى آخر يعود إلى اختلاف العلاقة التي يُنشئها هذا القارئُ مع النصِّ عن تلك التي يُنشِئها القارئُ الآخر مع نفس النصِّ. فكلُّ قارئٍ ينفعل انفعالًا خاصًّا به مع أنّه يسلكُ عينَ سُبلِ القراءة التي يفرضُها النصُّ على جميع القرّاء.
وعلى سبيل المثال فإنّ كلّ قرّاء رواية سهيل إدريس الحي اللاتينيّ يطلعون على كلّ الرسائلِ التي تبادلها سامي وجانين والتي تذكرُها الرواية بنصّها. وهم يطلعون كذلك على مذكّرات الفتاة الفرنسية التي يقرؤها سامي والقارئ معه خِلسةً. وعليه فإنّ القرّاء يُطلّون على الأحداث الروائيّة من خلال وجهتيْ نظر الشخصيتين الروائيتين ويتماهون معهما.
ولكن ردود أفعالِ هؤلاء القرّاء أمام هذا التماهي الآلي الذي تُثيره المعرفةُ المشتركةُ تختلفُ اختلافًا قد يكون كبيرًا. فمنهم من يرى في كلّ ذلك إثراءً في معرفةِ الشخصيّات وخبايا نفوسها ويوافق بالنتيجةِ على سلوكها أو يقبل بعض الشيء. كما يفعلُ جورج أزوط في سهيل إدريس في قصصه ومواقفه الأدبية
(1989) . ولكن بعضهم قد يرى في ذلك مبرِّرًا لإدانة سامي أخلاقيًّا، وقد ينظرُ إلى سلوكه على أنّه محاولةً تثير الازدراء تريد أن تصوّرَ نذالةً شخصيّةً على أنها تجربةٌ حضاريّةٌ عظمى! كما يفعل جورج طرابيشي في كتابه شرقٌ و غربٌ، رجولةٌ وأنوثةٌ. (1977) .
ولكن المُهم هو أن هذيْن القارئيْن كليهما قد انطلقا من نفس التجربة في القراءة، أي تجربة التماهي الآليّ الذي تفرضه بنيةُ النصِّ مع سامي ومع جانين.
ويمكن أن نضربَ مثلًا مختلفًا نأخذه من رواية شكيب الجابري قدرٌ يلهو. فقارئ الرواية الضمني يُرغم القارئ الحقيقيَّ على أن ينتظرَ حتى خاتمة الكتاب قبل أن يكشِفَ له عن حقيقةِ العاهرة المريضة بالسلِّ.