فهرس الكتاب
وبطبيعة الحال فإن من المُمكن أن يتبنّى القارئُ المحسوسُ موقفَ القارئ المُجَرّد الفكري فيرضى بالدعابة. ومن المُمكن أيضًا أن يُشاطرَ القارئُ المحسوسُ موقفَ القارئ الوهميّ المستاء من تلك الدعابة فيطرح عنه الكتابَ. ومهما يكن أمره فهذه الجهات الثلاث تبقى مُتفرّدةً وذات طبيعةٍ مختلفةٍ.
وأمّا نحن فإننا نرى بكلّ بساطةٍ أنّ المَرويّ له المذكور، أي ذلك القارئ المتطوّعُ المغرور بعض الشيء وسريع الغضب هو إيماءةٌ ساخرةٌ يُوجهها الراوي إلى المَرويِّ له الكامن في ثنايا النصِّ. ونقصد ذلك القارئ الفطن الذي يظهر مع ظهور النصِّ والذي يعرفُ حقَّ المعرفةِ أن تلميح السارد لا يعنيه ولا يقصده.
وأمّا الإيطالي أمبيرتو إيكو فهو يُعرّف القارئَ النموذجيَّ بأنه مجموعُ شروط النجاح أو مجموع عناصر التوفيق التي تنشأُ نصيًّا والتي لابد أن تحقّقَ كي ينتقلَ النصُّ ونعني هيئةَ المُتلقّي النشيطِ الفعّال والذي تفترضُ وجوده عمليّةُ فكّ رموز الحكاية على أحسن ما يكون. وبمعنى آخر، فإنَّ القارئَ النموذجيَّ هو إذن القارئُ الذي يستجيبُ استجابةً حسنةً (أي استجابةً تطابقُ رغباتِ الكاتب) على كلّ ما يتطلّبُ النصُّ سيّان كان ذلك طلبًا صريحًا خالصًا أو طلبًا مضمرًا مُبطّنًا.
وقد تفرضُ بعضُ النصوص الأدبيّة على قارئها أن يقترحَ على سبيل الجواب على مسألة فهم الأحداث فرضيّةً خاطئةً. ويكون عندها خطأُ التأويل الذي برمجه النصُّ واحدًا من شروطِ نجاح القراءة التي سبق أن ألمعنا إليها.
وتحضُرُنا كمثالٍ على نصِّ"يغشُّ"قارئه ويقوده إلى سبلِ تأويلٍ وهميّةٍ قصةٌ لإبراهيم عبد القادر المازنيّ (1890 - 1949) بعنوان عودةُ الحاج من مجموعته صندوق الدنيا.