الصفحة 45 من 146

في هذه الأقصوصة يحكي لنا راوٍ كهلٌ بعض ذكرياته كطفلٍ. فيحدّثنا عن زيارة يوميّةٍ كريهةٍ على قلبه كانت أمّه تُرغِمه عليها كلَّ يومٍ مساءً. فهذه المرأةُ طيّبةُ القلبِ كانت تُرسِلُ، حين يجنُّ الليلُ، ابنها يحملُ شيئًا من الطعام إلى امرأةٍ عجوزٍ تثير في قلبه رعبًا كبيرًا. وكانت الأم تطلبُ من ابنها كتمان الأمر عن بقيّةِ أفراد العائلة.

وذات يومٍ يشهدُ في بيت العجوز ما يُشبه العرسَ ويبصر نساءً كثيراتٍ يملأنَ البيتَ لَغَطًا وصَخَبًا، ضحكًا وغِناءً، بينما تزيّنُ أخرياتٌ المرأةَ العجوزَ كأنها صبيّةٌ في مقتبل العمر تهمُّ باستقبال زوجها لأول دخوله بها. ويفهم الصبيُّ ذاهلًا أنّ زوجَ المرأةِ سيعود بعد قليلٍ إلى منزله بعد رحلةٍ طويلةٍ وغيابٍ شاقٍ في زيارةٍ لبيتِ الله الحرام مؤدّيًا فريضةَ الحجِّ. وينتظِرَ الصبيُّ مع النسوةِ المُنتظِرات يملؤها التلهّفُ والترقّبُ. وتمضي الساعاتُ بطيئةً ومُرهِقةً. وتفقد العجوزُ قواها فتقعُ أرضًا بلا حراكٍ غائبةً عن الوعي. وتنصرِفُ النسوةُ إلى بيوتهنَّ وقد ترَكْنَ العجوز على حالها، ودون أن ينتظرن عودةَ الآيب. وحين يسألهن الصبيُّ تفسيرًا لسلوكهنّ الشائن تجيبه إحداهُنَّ بأنَّ الرجلَ قد مات منذ عشرِ سنينَ خلال زيارته لمكّة ففقدت زوجتُه عقلها وأصابها من الجنون عارضٌ. وفي كلِّ عامٍ، وفي اليومِ الذي كان ينبغي فيه أن يرجعَ من رحلته تلك تعاودها هذه اللوْثةُ، فتحِفُّ بها جارتُها، ويُعلّقْنَ الراياتِ ويتظاهرنَ أمامها بانتظار الغائب.

إنّ القارئَ يكتشفُ في نهاية القصّةِ ما كان يعرفُه الراوي منذ بدايتها، أيّ أنّ العجوزَ مجنونةٌ. ولكن الراوي لا يكتفي بأنه أخفى على قارئه جزءًا من الحقيقةِ فهو يضيف في السطر الأخير جملةً تقلب من جديد مفهومَ القارئ للقصةِ ولحبكتها رأسًا على عقب. فهو يصرّح:"كانت هذه المرأةُ المسكينةُ ضرّةَ أمي!".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت