فهرس الكتاب
وبطبيعة الحال فإنّ المازني كان يعرفُ بأنّ القارئ سيؤوِّلُ الأشياء حسب مظاهرها وعلى غير حقيقة ما تُشيرُ إليه، ولقد بذل الجهدَ كلَّه لتضليلِ القارئ.
وينبغي على القارئ أن يسلكَ، على غير علمٍ منه، هذا السبيلَ الخاطئَ كي تبلُغَ الحكايةُ مأربها وكي تترك فيه أثرها. والقارئُ الحقيقيُّ الذي يخامره بعضٌ من الضجر وشيءٌ من نفاذ الصبر حين يتوهّمُ أنّه يعرفُ نهاية الرواية التي يقرؤها لابد أن تسعدَه الخاتمة التي لم يكن يتوقّعها ولابدَّ له من أن يعترفَ بجميل الراوي الذي كذب عليه طيلة فصولِ الحكاية.
إنّ القارئَ الضمنيَّ والقارئَ المُجَرّدَ والقارئَ النموذجيَّ يُظهِرون جميعهم وبجلاءٍ، وبقطع النظر عمّا يختلِفُ فيه أحدُهم عن الآخر مبدأً أساسيًّا في نظريّة الرواية هو أنَّ المُتَلقّي ينشأُ نشوءًا موضوعيًا في جسدِ النصِّ نفسه. وسيّان أن يكونوا صورةً مُسبَقةً للقارئ تفترضُها الحكايةُ أو أن يكونوا أعوانًا نشيطينَ يُساهمون في مجرى القصّة فإنهم يقومون جميعًا على المبدأ الذي يقول بأنّه يوجَدُ في بنيةِ كلِّ نصٍّ دورٌ يُقتَرَحُ على القارئ. وهم يُشبِهون غايةَ الشبّه صاحِبنا المَرويَّ له الخارجيَّ حتى لنكاد لا نُميّزهم عنه.
3 -2 - من تحليل الحكاية إلى نظريّات القراءة.
إنَّ تعدّدَ أنماط القرّاء المُحتَمَلين وتعقُّد طرق التحليل باستمرار كما رأينا فيما سبق قد نتجا عن تحوّلِ اهتمام الباحثين عن نظريّات القصّة إلى الأثر الذي تتركه القصّة.
لقد كانت النظريّات التي تعنى بالسرد ترى أنَّ غايَتها الأولى هي وصفُ الطرق السرديّة.
ولم يكن لها بالتالي أن تذهب أبعد من الجهة السرديّة. وبما أنّها كانت تعتمد منهجًا وصفيًّا لدراسة النصِّ الأدبيِّ فقد كانت تنظر إليه كما لو أنّه شيءٌ قائمٌ بحدِّ ذاته يستخدمُ بنىً وتقنيّاتٍ يمكن للتحليلِ أن يُحيطَ بها إحاطةً كاملةً.