الصفحة 47 من 146

ولكن وبقدْر ما كانت مفاهيمُ الراوي أو المَرويّ له تنتمي إلى ميدان دراسة الطرق السرديّة باعتبار أنّ الراوي والمَرويّ له يظهران بظهور النصِّ بقدر ما كان مفهوم القارئِ المُضمَر يفرِضُ على المُنّظرِ فرضًا ألاّ يكتفيّ بالوصفِ فقط.

والأمرُ أن المنظورَ يتغيّرُ تمامًا إذا كانت غايتُنا هي دراسةُ عمليّة القراءة. فبدلًا من النظر إلى النظام السرديّ على أنّه بنيةٌ قائمةٌ بذاتها ومستقلّةٌ بذاتها يصبح من الواجبِ علينا أن نحلّلَه من جهةِ علاقته مع القارئ. ولا يعود من الكافي عندها أن نكتشِفَ المَرويَّ له وأن نصِفَه بل يُصبِحُ من واجبنا كذلك أن نتساءلَ كيف يتصرّفُ القارئُ حيالَ الدور الذي يقترحه عليه النصُّ الأدبيّ.

وفي الحقيقة فإن إيزير وإيكو يتطلّعان إلى ما وراء حدود النصّ حين يدرسان مفهومَ القارئ الضمنيّ أو مفهومَ القارئِ النموذجي. وليس من شكٍّ في أنَّ تحليلَهما ينصرف إلى كيف"يُجسِّدُ"القارئُ الحكايةَ أكثر من انصرافه إلى الحكايةِ ذاتها.

3 -3 - القضايا المُعلّقة.

تنبع الصعوبات التي استعرضناها حين درسنا مختلفَ أنماط القارئ النظريّة من أن تلك الأنماط ليست بالضبط نظريّةً تمامًا ومن أنّ البرهانَ لم يقم بعدُ فاصلًا قاطعًا على حقيقةِ وجود هذه الأنماط وجودًا مستقلًا عن المُحلِّلِ يضمن سلامةَ التحليلِ وشموليّتَه.

فحين يشرعُ أمبيرتو إيكو بوصفِ ردودِ أفعالِ قارئه النموذجيِّ فإنه يصفُ في واقع الأمرِ ردودَ فعلِ أمبيرتو إيكو ذاته. وهو يقرُّ بذلك مُحرَجًا:

"إنّه ليسَ من السهل دائمًا أن نفرّقَ بين التأويل النقديِّ (أيّ تأويلِ الناقدِ نفسه) وبين المُشارَكةِ المُؤوِّلةِ التي يُبرمِجُها النصُّ نفسُه والتي يضعُها في متناول جميع القرّاء. إنّ الحدودَ بين هذيْنِ النشاطيْنِ واهيةٌ تمامًا. وعلينا أن نُنشِئها على قوّةِ المُشاركةِ المُؤوّلةِ وعلى بسطِ نتائجها بوضوحٍ ودقّةٍ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت