الصفحة 49 من 146

إن قصورَ النماذجِ القائمةِ على مفهومِ المَرويّ له المُجرّدِ وعجزَها عن الإحاطةِ بعمليّةِ التلقّي قد دفعَ بكثيرٍ من الباحثينَ من أمثالِ ميشيل بيكار M ... Picard إلى التخلّي عن فكرة القارئ النظري وإلى توجيه اهتمامهم إلى دراسة القارئ الحقيقيِّ ذلك الفرد المَخلوق من لحمٍ ودمٍ والذي يأخذُ بالكتاب بين يديه. وهؤلاء يعتبرون أن تلك هي الوسيلةُ الوحيدةُ التي تجعلنا نفهمُ قراءةَ النصِّ الأدبيِّ على نحو مفيد ويقولُ بيكار ناطقًا بلسان زملائه إنَّ مفهومَ القرّاء المُجرّدين كان بلا ريبٍ خطوةً علميّةً هامةً قادت البحثَ النقديَّ إلى الأمام. ولكن الإيغالَ في متاهاتِ المَرويِّ له المُجرّدةِ كالقارئِ القائم في النصِّ أو القارئ الضمنيِّ أو القارئ النموذجيّ وإلى غير ذلك من دقائقَ وتصوّراتٍ طريفة يبدو في كثيرٍ من الأحيان وكأنه هروبٌ خجولٌ من مواجهةِ حقيقةٍ شائنة. وهي، ببساطة، أنَّ للقارئِ الحقيقيِّ جسدًا يعيشُ فيه ويقرأُ فيه كذلك. والقارئُ الحقيقيُّ ليس أبدًا روحًا تائهةً تنفلتُ في سماواتِ الحكاية دون ما قيدٍ. إنّه إنسانٌ موجودٌ حقًا ينفعلُ بصفته هذه أمام النصِّ وأمام ما يقترحُه النصُّ من عواطفَ وأهواءٍ أو من أشكالٍ فكريّةٍ وعقائديةٍ. كيف نستطيع أن ندرسَ دراسةً مُثمِرةً رواية توفيق الحكيم عصفور من الشرق بدون أن نعملَ على اكتشاف الأساليب التي تأخذُ بعواطفِ القارئِ (وهو مخلوقٌ حيٌّ يتنّفسُ ويهتزُّ انفعالًا) فتُقحِمُهُ في عالمِ الرواية إقحامًا وتجعلُهُ مُتحفّظًا قبالةَ نوايا الكاتب؟. فالنفور الحقيقيُّ الذي يشعرُ به القارئُ حيالَ محسن، وهو نفورٌ يُبرمِجُهُ النصُّ الروائيُّ ذاته (إن كان على نحوٍ مقصودٍ أو غير مقصودٍ) هو الذي يجعلُ منه رمزًا للتسامي ولقوةِ الفكر.

كيف نستطيعُ أن نُقدّرَ حقَّ تقديرها روايةَ جرجي زيدان أسير المُتمَهدي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت