فهرس الكتاب
ولدينا في هذا المقطعِ شاهدٌ على الانتقالِ الدائمِ بين المستوياتِ المذكورة. فهذا النمطُ من الكتابةِ الذي يُقدّمُ للقارئِ خبرًا يُلحِقُهُ مباشرةً بخبَرٍ آخر يشرحُه أو يعدّل منه يعيقُ استكانةَ القارئِ للنصِّ ويعبِّئُ كلَّ طاقته. فإن كانت الجملةُ الأولى تنتمي إلى الوهم السرديِّ وتُبشِّرُ بمتعةِ الحكاية- كان الزبير قد منَّ .. - أي أنها تقصدُ طرفَ القارئِ الذي يستجيبُ لنداء السردِ، وإلى الطرفِ الذي يأخذُ بالكتابِ بين يديْه، فإنّ تعليقَ ابن إسحاق- ذكر لي بعضَ ولد الزبير أنّه قد منَّ عليه يوم بُعاث- يتوجّهُ إلى طرفِ القارئ الناقدِ الذي يمسكُ بمجموعِ النصِّ المُعقّدِ وبعلاقته مع التاريخ.
ويمكن أن نضرِبَ على ذلك مثالًا آخر نأخذه من موسم الهجرة إلى الشمال وخصوصًا الفصل السابع منها. ففي هذا المقطع يختلطُ خطابان ويتداخلان فيُؤثّرُ كلٌّ منهما في الآخر ويُظهِران بجلاء العلاقةَ بين أطراف القارئِ الثلاثة. فالهذيانُ المحمومُ تحتَ أشعّةِ الشمسِ الحارقةِ والصورُ المُلوَّنةُ لنساءٍ عارياتٍ والجملُ المُتألّمةُ على لسان نُسوةٍ تُعذّبهُنَّ الشهوةُ والإثمُ يبدو ذلك كلُّه تعبيرًا عن الرعبِ الذي يجتاحُ الراوي بسبب جنونِ مصطفى سعيد وهولِ الرغبات التي أثارها. ومن شأن هذا كلّه إقلاق طرف القارئ اللا واعي.
ولكن لقاء السيّارة الحكوميّة المُعطّلة وبها خمسةُ عساكر ثم قصّة المرأة التي قتلت زوجها توقفُ مؤقّتًا سيلَ الهذيان الذي يجتاحَ طرفَ القارئ الذي يُمسكُ بالكتاب ويعيه تمامَ الوعي طرفُه الناقدُ الذي يُدركُ أنَّ هذا المشهدَ إرهاصٌ بجريمة القتلِ الطقسيّةِ التي سترتكبُها حسنة بنت محمود أرملةُ مصطفى سعيد.