فهرس الكتاب
ولكن تقسيم بيكار هذا، وعلى أهميّته، يُثيرُ بعض التحفّظات. فإن كان وجودُ الطرفِ الأوّلِ الماديّ أمرًا لا ريب فيه فإن مفهومَه لا يُساعدُنا كثيرًا على تحليلِ النصِّ بالمعنى الدقيق. ويصعُبُ علينا كذلك أن نقبلَ بمبدأ سلبيّة الطرفِ الثاني. ونرى أن هناكَ موقفًا مُتوسّطًا بين المُشاركةِ النقديّةِ في النصّ والاستجابة السلبيّة لنداءاته. ومن جهةٍ أخرى إن كان ما يُميّزُ الطرفَ الثالثَ في القارئ هو أنه يتّخذُ بينه وبين النصِّ مسافةً تساعده على النقدِ فإنه من الضروريّ ولا شكَّ أن نُنشئَ درجاتٍ في تلك المسافة.
4 -3 - أنموذجٌ يُستَكمَلُ؟
إن نظام بيكار الذي عرضناه فيما سبق ناشئٌ بطبيعةِ الحال عن طريقته العامة في تحليلِ النصِّ الأدبيِّ، أي الإحاطة بعمليّة القراءة بوصفها لعبة ذات قواعد. ولكن إن طرحنا بعيدًا عنّا هذه الطريقة في التحليل ورغِبنا أن نحيطَ إحاطةً نظريّةً بمختلف الجهات القارئةِ لوجب علينا أن نعيد النظر في هذا النموذج. فنُهمل مفهومَ الطرفِ الأوّلِ القارئ ونهذّبُ تعريفَ الطرفِ الناقد.
لقد سبقَ لنا ورأينا أن طرفَ القارئ الناقد لا يغيبُ عنه أبدًا أن النصَّ هو بناءٌ يُبنى قبل أن يكونَ أيّ شيءٍ آخر. وكلُّ بناءٍ يتطلّبُ مهندسًا. وعليه فإنَّ عينَ هذا القارئِ مشدودةٌ على الدوام إلى طيفِ الكاتبِ الذي يقودُه من خلال علاقاته مع النصِّ. ويُمكن أن يُنظَرَ إلى الكاتب بطريقتيْن.
إنّ المؤلّفَ هو الجهةُ السرديّةُ التي أنشأت العملَ الأدبيَّ وهو كذلك الجهةُ المُثقفةُ الواعيةُ التي تسعى من خلال النصِّ أن تنقلَ رسالةً ما.
وعليه فإننا نستطيعُ أن نعتبرَ أن الطرفَ القارئ ذو وجهيْنِ أو ذو شخصيّتيْن. فهو قارئٌ يلهو حين يحاولُ أن يُخمّنَ سياسةَ النصِّ السرديّة وهو قارئٌ مؤوّلٌ حين يسعى إلى فكِّ رموز الغاية التي يقصدها النصّ بأكمله.