الصفحة 53 من 146

إن قارئَ موسم الهجرة إلى الشمال يتسلّى مع الراوي الأول ويحاولُ أن يتنبّأَ بخاتمة مصطفى سعيد وبمصير الراوي النكرة بينما يسعى إلى تحليل الرواية لاستخلاص ما تهدف إليه. إن سؤال كيف ستنتهي مغامرة مصطفى سعيد يرافقه باستمرار سؤالٌ آخر هو ماذا يُريدُ أن يقولَ لنا الطيب صالح من خلال سيرة بطله؟.

وإذا كان طرفُ المشاطرةِ النقديّةِ في القارئ يُدركُ النصَّ من خلال صلتِه بمؤلّفه فإنّ الطرفَ اللاواعي الذي يستجيبُ لبنيةِ النصِّ الروائيّةِ يستوعبُ عالم الرواية بذاته ولذاته. وهذا الطرفُ من القارئ هو الذي يقعُ في حبائلِ الوهم السرديّ الذي يجعله يحسب، خلال فترة القراءة، أنّ عالم النصّ عالمٌ حقيقيٌ وموجودٌ حقًا. ولأنه ينسى طبيعة النصّ اللغويّة فإنه يُصدّقُ ما يُقالُ له فيه. وهذا الطرفُ هو الذي يجعلنا نتعاطفُ مع مصطفى سعيد ونثور لنهاية حسنة بنت محمود ونحسُّ صقيع لندن يدبُّ في أعطافنا.

وينبغي علينا كذلك أن نضيفَ تأثير بعض دوافعنا الغريزية اللاواعية. فثمّة مستوى من القراءة يجدُ القارئ في بعض مشاهده صدىً أو انعكاسًا لأحلامه الخفيّة ولهلوسته التخيّليّة. وعندها تنشُطُ علاقةُ القارئ مع ذاته وعلاقته مع لا وعيه. وليس انجذابُ القارئ لمشاهد العنفِ أو لوصف العلاقات الغراميّة إلاّ تنشيطًا آنيًّا لغرائزَ فيه أسكنتها التربيةُ والكبتُ. وكذلك النزوعُ إلى السلطة ومراكز القوّة التي تحرّك بعض الشخصيّات الروائيّة فإنها ترضي الرغبات الدفينة في القارئ.

4 -4 - الأسُس النفسيّة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت