الصفحة 54 من 146

إنّ القوْلَ بأنّ كلّ قارئٍ يحملُ في تكوينه كقارئٍ أطرافًا أساسيّةً مُعيّنةً ثم العملَ على استخلاص تلك الأطراف وتحديد معالمها يفترضان أن جميع القراء يمتلكون عددًا من الثوابت النفسيّة المشتركة. وفي حقيقة الأمر فإنّه ليس من المُمكن أن نأمل بأن نحيط بعمليّة القراءة وأن نفهمَ إن غابت عنّا هذه المُسلّمة. إنّ كلّ إنسان يحملُ بالإضافة إلى صفاته الشخصيّة الفريدة الفذّة عددًا من الصفات العامّة الموجودة عند كلّ الآخرين.

إنّ هذه الطريقة بتحليل نشاط القراءة تنسجم مع معطيات التحليل النفسيّ. ونحن نعرف مثلًا أن بعض مفاهيم سيجموند فرويد تفترض بالفعل وجود وقائع نفسيّة ثابتة تجتاز التاريخ ويعرّف التحليلُ النفسيّ مثلا الاستيهامات الأولى بأنها البنى التخيّليّة الوهمية النموذجيّة (الحياة في بطن الأم والمشهد الأصليّ والخصاء والإغراء) التي تُنظّمُ الحياة الاستيهاميّة لكلّ منا مهما كانت تجربتُه الشخصية.

وإذ نعرّفُ القارئ الحقيقيّ على أنّه موضوعٌ بيولوجيّ وبسيكولوجيّ معًا فإننا نضعُ في متناول يدنا الأدوات اللازمة التي نحتاجها لتحليل تجربة القراءة تحليلًا دقيقًا. وإذا كان مفهومُ القارئ المُجرد يساعدُنا على فهم كيف يعملُ ظاهرُ النصّ فإنّ النظر إلى القارئ الحقيقيّ على أنه حامل لردود أفعال نفسيّة ولنزوات يشتركُ بها الناسُ جميعًا يساعدنا على فهم كيف يعملُ باطنُ النصّ.

وبعد أن درسنا المروي له الخارجيّ، أي بعد أن رأينا كيف يتخيّلُ النصّ قارئه، علينا أن نحلّل الآن كي يتصرف القارئُ أمام الدور الذي يقترحه عليه النصّ.

نحنّ نعرفُ مثلًا أنّ المرويّ له في رواية دوستويفسكي Dostoieveski الجريمة والعقاب يشهد أحداثَ الرواية من خلال زاوية راسكولنيكوف القاتل. فهو يطّلع بذلك على خبايا نفسه ويدركُ مقدار عذابه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت