فهرس الكتاب
إن الإجابة على سؤال (كيف نقرأ نصًا أدبيًّا؟) تقتضي أن نحدّد نصيب كلّ من النص وقارئه في عمليّة تجسيد معنى النص، أي في عمليّة إخراج المعنى من حالة الكمون إلى حالة الظهور. فالقراءة ليست تلقيًا سلبيًّا أبدًا. وإنما هي تفاعل خلاّق ومشاركة حقيقيةٌ بين النص والقارئ. والعمل الأدبي يحتاج، تعريفًا، وبسبب طبيعته وبنيته، إلى مساهمة الموجّه إليه الإيجابيّة. فالعالم الذي يُنشئه النص لا يمكن له إلاّ أن يكون ناقصًا. إذ أنه ليس من المستحيل وحسب أن ننشئ عن طريق النص الأدبي عالمًا كاملًا بديلًا للعالم الواقعي، بل إنه من المستحيل كذلك أن نصف فيه العالم الواقعي وصفًا شاملًا جامعًا وليس في مقدور الرواية قط أن تعرض كونًا يختلف الاختلاف كلّه عن العالم الذي نعيش فيه. فحجم الكتاب وعدد صفحاته لا يبيح ذلك. وهي كذلك لا تستطيع أن تذكر كلّ التفاصيل التي تتعلّق بالوسط الذي نتحرّك فيه وإلاّ صار الوصف بلا نهاية.
ويكفي أن ننظر في شخصيّات العالم الروائي. كيّ ندرك هذه الاستحالة المركّبة. فالنص الروائي يعجز عجزًا كاملًا عن إبداع شخصيّات تختلف اختلافًا كاملًا عن الشخصيّات الحيّة التي يحتكّ بها القارئ في حياته اليوميّة. بل وإن أكثر المخلوقات غرابة، كتلك التي نجدها في روايات الخيال العلمي مثلًا، تظلّ تحتفظ بصفات وخصائص يستعيرها المؤلّف من تجربة العالم الحقيقي الواقعي وليست هذه المخلوقات في نهاية المطاف إلاّ كائنات بشريّة مشوّهة. ولنتأمّل وصف العفريت التالي من ألف ليلة وليلة.
"ولكن خرج من ذلك القمقم دخان صعد إلى عنان السماء ومشى على وجه الأرض، فتعجّب غاية العجب، وبعد ذلك تكامل الدخان، واجتمع ثمّ انتفض فصار عفريتًا رأسه في السحاب ورجلاه في التراب برأس كالقبة وأيدٍ كالمداري ورجلين كالصواري وفمٍ كالمغارة وأسنان كالحجارة ومناخير كالإبريق وعينين كالسراجين، أشعث أغبر .." (1)