فهرس الكتاب
فهؤلاء الأشخاص التاريخيّون يستمدّون كثافتهم وقوامهم من ثقافة كلّ قارئ عربي والتحامه بتاريخه وهم يعيشون بكلّيتهم في ضميره. وبما أنّ الرواية تعجز عن الإحاطة الشاملة بهم فإن سيد قريش تسكن إلى معرفة قارئها بتاريخه ليُكمل ما لا يذكره النص الأدبي.
1 -2 - التلقّي بصفته استكمالًا للنصّ:
إنّ النص الروائي ناقصٌ بنيويًا ولا بدّ له من مشاركة القارئ. ويمكننا القول بأن على القارئ أن يُكمل النص في أربعة ميادين أساسيّة ألا وهي ميدان الاحتمال أو مشابهة الواقع، وميدان تلاحق الأحداث وتتابعها، وميدان المنطق الرمزي، وأخيرًا ميدان مغزى النص العام. وسنناقش فيما يلي كلًا من هذه النقاط الواحدة تلو الأخرى.
وبما أنّه من المستحيل على المؤلّف أن يصف الشخصيّات الروائيّة أو إطارها الجغرافي أو الموقف الروائي وصفًا كاملًا فإن القارئ يُكمل السرد من خياله حسب ما يظهر له على أنّه محتمل أو قريب الوقوع.
ولنقرأ كيف يصف لنا علي عقلة عرسان (1941) زينب زوجة بطل روايته صخرة الجولان (1982) حين يذكرها للمرة الأولى:
"وتراقصت صورتها أمام ناظريّ وهي تعود من الحصاد، ثوبها مغمس بالعرق، والتراب يكسوها حتى أخمص قدميّها، وفمها ممتلئ بالغبار حتى لتغص به، ولا يكاد وجهها الحبيب يظهر من بين طبقات التراب المتراكمة عليه ورائحة الشقاء البشري تفوح منها إلخ" (4) وهذا الوصف يكاد يخلو من إشارة واحدة إلى شخص زينب. أهي طويلة أم قصيرة؟ سمراء أم شقراء؟ ما لون عينيها؟ ما شكل أنفها؟ هل تقاطيع وجهها متسقة أم لا؟ هل وجهها بيضاوي أم متطاول أم مستدير؟ الخ. وبعد صفحات قليلة يضيف النص إشارة توحي بأكثر مما تُظهر:
"وعلى صفرة الأسى في الوجه النحيل تطفو بقعة ربيعية كواحة ترتفع لظامئ في الصحراء" (5) .