الصفحة 59 من 146

إن زينب الفقيرة التي تكافح أثناء غياب زوجها لإطعام عائلتها الصغيرة تهم راوي علي عقلة عرسان أكثر مما تعنيه صفاتُها الجسديّة. وعلى القارئ بلا ريب أن يستكمل ملامحها. وهي ستبدو لأغلب القرّاء امرأة ناحلة، سمراء أو قمحيّة اللون وذات عينين واسعتين سوداوين ترتدي ثوبًا طويلًا غابت ألوانه. الخ.

فالإطار الجغرافي (حوران) الذي تشير إليه الرواية يفرض على القارئ مجموعةً من الصفات العامة التي يعرف بثقافته أو يعتقد أنها تميّز هذه المنطقة من سورية. وكذلك الأمر حين يتخيل بطلُ الرواية ابنه فإنه يقول:

"زيد بعيونه العسلية ووجهه الناعم وشعره الأسود الأملس" (6) .

ولا بد للقارئ هنا كذلك من أن يُكمل من خياله بقية ملامح الطفل.

وكذلك يهمل السرد عادة ذكر تفاصيل الحركات الثانويّة فيلجأ القارئ إذّ ذاك ومن تلقاء نفسه إلى إعادة تركيب الوقائع وبناء مجموع الحركات الغائبة معتمدًا في ذلك على منطق الحدث.

ولنأخذ على سبيل المثال وصف إطفاء اللفافة فهذه الحركة تفترض أن يمد المدخّن يده باللفافة التي يلتقطها بين إبهامه وسبابته فيطفئ جذوتها بأن يسحق طرفها في المنفضة. ولكن أحمد زياد محبك (حلب 1949) يكتفي بجملة قصيرة:

"وداد تُطفئ بقيّة سيجارتها" (7) .

أي أنه يكتفي بذكر حركة واحدة من مجموع الحركات الضروريّة لإطفاء اللفافة ويقوم القارئ تلقائيًّا بتخيل الحركات الناقصة.

ونجد كذلك عند حسن حميد (1956) الجمل التالية ولعلّه من أكثر الكتّاب لجوءًا إلى هذا الإيجاز الشديد:

"ووضعوا رجلًا فوق رجل ودخنّوا الأراكيل كذلك" (8) .

وكل من هذه الجمل يصف جزءًا واحدًا من عمليّة معقّدة فيها كثير من الحركات ولكن القارئ يملأ الفراغ من مخيلته ومن ثقافته الحياتية. ولكنّه قد يعجز عن ذلك فيبقى هذا الجزء من السرد غامضًا يستغلق فهمُه عليه. كما هي حالة قارئ لا يعرف ما هي النرجيلة مثلًا ولا كيف تدخّن!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت