فهرس الكتاب
ولكن السرد قد يتطلّب مساهمة القارئ في تخيّل مجموعة من الأحداث أعقد بكثير مما ذكرناه ولننظر في المقطع التالي من ابن إسحاق:
"قال ابن إسحاق: وكان من حديث عبد الله بن سلاّم، كما حدّثني بعض أهله عن إسلامه حين أسلم، وكان حبرًا عالمًا، قال: لمّا سمعت برسول الله صلّى الله عليّه وسلم عرفتُ صفته واسمه وزمانه الذي كنّا نتوكّف له، فكنت مُسراّ لذلك، صامتًا عليه حتى قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة، فلّما نزل بقباء في بنى عمرو ابن عوف، أقبل رجل حين أخبر بقدومه .." (9) .
فهذا النص يتراكب في ثلاثة طوابق. فالراوي الأول محمّد بن إسحاق بن يسار كتب مؤلفه في القرن الثاني للهجرة /القرن الثامن للميلاد ومات في بغداد (767م) والراوي الثاني عبد الله بن سلاّم توفي في القرن الأول للهجرة / القرن السابع للميلاد (664م) وهذا بدوره يحكي قصةً جرت معه قبل عام
(622) سنة جاء الرسول العربي فيها يثرب. وإذا استطاع القارئ أن يسافر عبر القرون من ابن إسحاق إلى ابن سلاّم ومنهما إلى رسول الله خلال بضعة أسطرٍ، ودون أن يشعر بانقطاع في الزمن أو في المكان السرديّين فلأنه استعان بثقافته التاريخية وملأ بها الفراغ الذي يفصل بين الراويين والأحداث التي يذكرانها.
ولقد يشير النص في أحيان كثيرة إلى شيء آخر غير ما يُظهره أو غير ما يظهر أنّه يعنيه، وهنا يتوجّب على الطرف المتلقّي أن يفكّ ألغاز اللغة الرمزية، ولكي يبلغ مراده هذا لا بد له أن يأخذ بعين الاعتبار انتقال النص من السرد المباشر إلى الإيحاء أو التشبيه أو التمثيل.