الصفحة 61 من 146

فالحب الذي يعيشه محسن وسليم وعبده في رواية توفيق الحكيم عودة الروح (1933) مثلًا هو الشكل الفني لمشاعر البورجوازيّة الصغيرة في مصر بعد الحرب العالمية الأولى، وتعلّق محسن وأعمامه بسنّية، الفتاة التي ترمز إلى مصر، هو الترجمة الروائية لتفتح المشاعر الوطنيّة عند تلك البرجوازيّة وبداية وعيها بانتمائها إلى ماضٍ تليدٍ. وبطبيعة الحال يمكن أن يرى القارئ العجول هذين الجانبين في عودة الروح على أنّهما منفصلان لا علاقة لأولهما بثانيهما أو على أنهما لحظتان متعاقبتان أو متوازيتان في السرد الروائي. ولكن قراءة يقظة يمكن لها أن تزيح النقاب عن سلسلة المعادلات الرمزيّة تلك وعن دورها في تنظيم الحكاية.

وفي مكنة القارئ أخيرًا أن يكتشف المعنى العام الذي أراد المؤلّفُ أن تحمله روايتُه. ولهذا ليس على القارئ أن يرصد تدخّل الراوي المقصود في النص وحسب وإنّما عليه أن يُحيط ببنية النص العامة كذلك.

ولقد بنى توفيق الحكيم مثلًا روايته عصفور من الشرق على مجموعةٍ من المعارضات الجوهريّة والتي تتفرّع عنها متناقضات أخرى ثانويّة ينظّمها ذاتُ المنطق. ولا بد للقارئ من أخذها بعين الاعتبار ليدرك هدف الرواية العام أي إدانة الحضارة الأوربية الحديثة إدانةً شاملةً قاطعةً باسم قيم القرون الوسطى النخبوية الأرستقراطية التي مثلها الشرق بقسميه، البوذي من جهة ومجموعة الديانات الموحّدة من جهة أخرى، حسب ما يراه توفيق الحكيم، ومثاقفة محسن بطل الرواية يُفترض بها أن تبرهن للقارئ على التناقض الجوهري القائم بين الشرق والغرب. وهذه المثاقفة تتحقق خلال تجارب وفي ميادين تهدف إلى إبرازي التناقض الأساسي.

يشغل ميدانُ الأسرة الفصول الستة الأولى من الرواية. وهي تسعى إلى إقناع القارئ بتمزّق الروابط في صدر الخليّة العائليّة الأوربيّة، وتلخّص سيّدة فرنسية عجوز هذا الوضع بقولها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت