الصفحة 62 من 146

"في زماننا كان البيت كل شيء! لقد ذهب كل شيء طيّب بذهاب زماننا .. ولم تعد هنالك أسرة .. الرجل والمرأة في المصنع طول النهار .. ولا أمل في أن ينشأ الولد على الخلق القويم. يا له من زمن عجيب!" (10) .

وأما الميدان الثاني فهو ميدان العلاقة بين الرجل والمرأة. وفيها يمثّل محسن الرجلَ الشرقي وهو الطهر جُعل إنسانًا ورمز الشعر والفن والخيال. وأمّا سوزان ديبون الفرنسيّة فهي ترمز إلى أوروبا وإلى نزوة الجسد وإلى لون الصلصال المحترق. وباختصار إلى الحيوانيّة الثقيلة والأنانيّة المجرمة اللتين تسمان كل النساء وخصوصًا نساء أوروبا منهن، كما يرى توفيق الحكيم.

وأمّا تجربة المثاقفة الثالثة ونعني صداقة محسن المصري مع العامل الروسي المهاجر إلى باريس فتهدف إلى رفض الفكر الأوروبي الحديث برمته وإلى إدانته بشقيه اليساري واليميني الغربيّين معًا.

وهذه السلسلة من المعارضات هي التي تقود القارئ إلى فهم غاية الكاتب من كتابه: إدانةُ النموذج الحضاري الذي تمثّله أوروبا الصناعيّة واستنكار افتتان النخبة الشرقيّة بمبادئها ..

"كل هذا العلم الحديث الذي يبهرك ليس في حقيقته غير طريقة وأسلوب. نعم إن الجديد حقًا في العلم الأوروبي الحديث هو أسلوب التفكير المنتظم وطرائق البحث العقلي المرتب. أما أكثر من ذلك فلا [ ... ] إنها مدنيّة لا تدرك ولا تعترف إلا بما يقع تحت لمسها وبصرها ومنطقها. ولا تقوم إلاّ على عالم المحسوس. وإنّي أصرّ على أن هذه الحضارة إن هي إلاّ مدنيّة ناقصة" (11) .

ولكن يندر في العادة أن يجدّ القارئُ في الرواية الناضجة هذه المعارضات الصريحة والمكشوفة. وهي أكثر ما توجد في الروايات التعليمية أو في الروايات التي تهدف بصورة أساسيّة إلى الدفاع عن قضيّة عقائديّة معينة. وأمّا الروايةُ الفنيّة الناجحة فإنها تكتفي عادةً بإشارات رقيقة أو بتلميحات لطيفة فتترك للقارئ مهمة أن يُنشئ بمشاركته الفطنة معناها العام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت