الصفحة 63 من 146

1 -3 - الثابتُ والمضطرب:

وإذا كان القارئ حرًّا ومقيّدًا في آن واحد خلال عمليّة القراءة الأدبيّة فذلك لأن تلقّي النص يتحققُ حول قطبين أو محورين أحدهما ثابت واضح ويقيني والآخر قلق مضطربُ وظني.

وأما القطبُ الأول فهو الأماكن الصريحةُ في النص والمقاطعُ الواضحة فيه والإحالات البيّنة به. واستنادًا إليها نتبين معنى النص العامَ. وأمّا قطبُ التلقّي الثاني فهو المقاطعُ الغامضة والإشارات المُلتبسة والتي تقتضي مساهمةَ القارئ لتأويلها.

والمقاطعُ الواضحة التي تؤّول أو تُقرأ مباشرة هي تلك التي تنشأ على القواعد النصيّة وعلى قواعد السرد كما أظهرتها المدارسُ ذات النزعة البنيويّة أو ذات الاتجاه الدلالي. وحين يكون أمامنا نصٌ كثيف يستغلق فهمُه فإنه من المثمر في أحيان كثيرة أن نؤسس التأويلَ على وشائج التشابه في مقاطع النص أو على تعارضها واختلافها أو على طريقة توزيعها وانتظامها انتظامًا هرميّا.

ومهما يكن الأمرُ فإنه من الضروري أن نميّز في كل قراءة بين جهتين أو بعدين الأولى هي تأويل يُبرمجه النص ويفرضه على القارئ، والثانية تأويلٌ لا يتعلّق إلاّ بالقارئ نفسه.

2 -النص الأدبيّ من حيث أنه"برمجة".

2 -1 -"عقدُ"القراءة

إن النص الأدبي"يبرمج"شكلَ تلقيه بأن يقترح على القارئ مجموعةً من القواعد العامة المتفق عليها وكذلك نقاطًا يلتزم بالعمل بها وبتطبيقها. وهذا ما أسماه النقّادُ"بعقد"القراءة.

ويُحدّد النصُ الأدبي على وجه العموم طريقةَ تأويله إذ ينخرط في نوع أدبيّ معين أو حين يتخذّ مكانًا له ضمن المؤسسة الأدبيّة الرسميّة. فالنوعُ الأدبي مثلًا يحيل القارئ إلى مجموعة من القواعد التي تواضع النقّاد على أنّها تميز هذا النوع عن غيره. فيثير هذا عند القارئ توقعًا معيّنًا. ويجعله في حالة"نفسيّة"خاصة"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت