فهرس الكتاب
فهو قد يتقبّلُ أن ينهض ميتٌ من قبره في الرواية الخيالية وقد لا يجد غضاضة في أن يظهر جني من قمقم أو أن يطير بساطٌ يحمل رجلًا حين يقرأ حكاية شعبيّة من حكايات ألف ليلة وليلة ولكنه سينكر هذه الأحداث بقوة إذا وجدها أو ما يماثلها في الرواية الاجتماعية أو في الرواية الواقعية مما يكتبه عادة نجيب محفوظ! ولقد رضي القارئ السوري على سبيل المثال أن يبعث زكريّا تامر عمر المختار أو يوسف العظمة من قبريهما هجاءً للواقع العربي المعاصر في بعض قصصه الصغيرة الغاضبة. ولكن هذا القارئ سيستغرب كثيرًا إن رأى سيّارة مثلًا في رواية جرجي زيدان (1861 - 1914) الحجّاج ابن يوسُف الثقفي (1902) أو رأى جبلة بن الأيهم يدخّن لفيفةً تبغ في سيد قريش لأن هاتين الروايتين التاريخيتين تتناقضان عندئذ مع حقيقة التاريخ الذي يقتضي نوعُهما الأدبي أن تلتزما بها التزامًا صارمًا.
وقد يحدث أن يكون النص غامضًا أو يصعب تصنيفُه بين الأنواع الأدبية المعروفة أو أن يثير حيرة القارئ فعندها تتجه أبصارُ هذا الأخير نحو المؤسسة الأدبيّة وهيئاتها ينتظر منها أن"تفتيه"حول شرعية النص الأدبية أو أن تضمن له على الأقل انتماءه إلى الأدب، أيّ أنّه ينتظر منها شهادة"حسن سلوك"تمنحها لنصوص تثير ريبته وشكوكه. وهذا ما قامت به المؤسساتُ الأدبيّة العربيّة في العقد الخامس من هذا القرن حين ظهرت كتاباتٌ من نوع جديد لا تنتمي إلى ما كان يألفه القارئُ من الأنواع الأدبية ولا إلى ما كان قد تواضع عليه النقّادُ في ميدان الشعر"فأفتى"بذلك المجددون في الأدب وقبلتها المؤسساتُ وأسمتها شعر التفعيلة وأدخلتها في صنف الأنواع الأدبيّة الشرعيّة!