الصفحة 69 من 146

إن عقد القراءة يُوجه خطا القارئ، كما رأينا، فينشئ هذا تأويله حول النقاط الراسخة التي يقترحها النصُ المقروء. وهذه النقاط الثابتة، كالمراسي تعقل القراءة وتجنبها سلوكَ سبل خاطئة وبالتالي تمنعها من التيهان.

ومن هذه الأنصاب عنوانُ الكتاب والنوعُ الأدبي الذي ينتمي إليه النص ويجد القارئ عادة هاتين الإشارتين على صفحة الغلاف. صخرة الجولان، رواية، وليس كذلك غلافُ الشراع والعاصفة (1966) لحنا مينة (17) مثلًا فهو لا يُشير إلى طبيعة النص وعلى القارئ أن يبحث في الصفحات الداخلية عن ذلك. وإضافةً إلى هذه النقاط الثابتة يمكن للقارئ أن يكتشف في كل نص شبكات دلالية تُنظّم بنيته، وقد تنتظم الوحدات التي تكوّن هذه الشبكات حسب ترادفها وتجانسها (كلمات متعددة تحيل جميعها إلى موضوع واحد) أو حسب تعارضها أو حسب تبعاتها (نتائجُ الحدث تُشكّل وحدةً واحدة) .

ففي قصيدة عمر بن أبي ربيعة (644 - 711) .

هيّجَ القلبَ مغان وَصِيبَرْ ... دارساتٌ قد علاهُنّ الشجرْ (18)

تنتظم أغلبُ معانيها حول موضوع ظهور ما كان باطنًا وانكشاف ما كان مستترًا: هاج، علا، شجر، ذرى، أنار، غشّى، زهر، زان، غام، بدا، سرّ، عرف، الخ .. وهذه الأفعال تنتمي إلى ذات الحقل الدلالي فتنسّق النصَ في شبكة معانٍ واحدة فالنبت يَظهر فيُظهر عاطفة الشاعر وتكشف الفتيات خبيئةَ أنفسهن كما تُخرج الأرض زهرها وعندها يُبرز الشاعر ذاته. وعلاقاتُ المشابهة والترادف هذه تحدد حقلَ القراءة وتقود بخطا القارئ خلال سبل التأويل.

وأما ابن الرومي فإنه يبني لامتيه التالية على تنافي الصفات وتناقضها:

وجهُك، يا عمرو، فيه طولُ ... وفي وجوه الكلاب طولُ (19)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت